وهابیت
منوهای سایت
۱۳۹۰/۱۰/۲۶ ۱۷:۴۴     بازدید:۲۹۷       کد مطلب:۵۳۲۷          ارسال این مطلب به دیگران  

اصول اعتقادی وهابیت » عقائد عام وهابیت » توحید » توحیدالوهیت و ربوبیت » مقالات عربی

معبود الوهابيين

الشيخ علي الکوراني العاملي



معبــود الوهابييـن

قال ابن باز في فتاويه: 4/131:

(التأويل في الصفات منکر ولا يجوز، بل يجب إقرار الصفات کما جاءت على ظاهرها اللائق بالله جل وعلا، بغير تحريف ولا تعطيل ولا تکييف ولا تمثيل، وعلى هذا سار أهل العلم من أصحاب النبي (ص) ومن بعدهم أئمة المسلمين کالأوزاعي والثوري ومالک وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق). انتهى.

وليت الشيخ ابن باز سمى لنا واحداً من الصحابة أجرى الصفات على ظاهرها الحسي، وليته ذکر نصاً عن واحد من التابعين أو تابعي التابعين الذين سماهم، فقد تتبعنا أقوالهم في الصفات وذکرنا عدداً منها في فصل تجسيم الذهبي، ولم نجد فيها مسألة الحمل على الظاهر الحسي!

وسوف تعرف إن شاء الله تعالى عدم صحة تسترهم بالإمام مالک في الحمل على الظاهر، وعدم صحة ما نسبوه إليه، فلم يبق عندهم إلا قدماء المجسمة مثل کعب الأحبار ووهب ومقاتل ومن قلدهم!

وقد حشر أحد المسلمين مرجعهم في الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني عندما وجه إليه السؤال التالي الذي ورد في فتاوي الألباني ص 509:


104



(سؤال: هل العقيدة التي يحملها السلفيون هي عقيدة الصحابة؟ وإن هناک من الناس من يزعم إن کانت عقيدة الصحابة فأتونا ولو بصحابي واحد يقول في الصفات نؤمن بالمعنى ونفوض الکيف.
جواب: هل هناک صحابي تأول تأويل الخلف، نريد مثالاً أو مثالين؟!

و قال البغوي في تفسير قوله: ثم استوى على العرش، قال الکلبي ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة صعد، وأولت المعتزلة الإستواء بالإستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الإستواء على العرش صفة الله بلا کيف يجب على الرجل الإيمان به ويکل العلم فيه إلى الله. وسأل رجل مالک بن أنس عن قوله: الرحمن على العرش استوى، کيف استوى؟ فأطرق مالک رأسه ملياً وعلاه الرحضاء ثم قال: الإستواء غير مجهول، والکيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وما أراک إلا ضالاًّ، ثم أمر به فأخرج). انتهى.

فانظر إلى جواب هذا العالم الوهابي لهذا السائل العادي، فهو يناقش سائله بأنک إن قلت لا يوجد صحابي حمل الصفات على الظاهر الحسي کالوهابيين، فإنه لا يوجد صحابي وافق مذهب المتأولين!

و للسائل أن يجيبه: ما دام الصحابة لم يوافقوا الوهابيين ولا المتأولين، فالصحيح إذن هو مذهب التفويض؟!

ثم کيف ينکر الألباني تأويل الصحابة کعائشة وابن عباس وابن مسعود، فضلاً عن أهل البيت (عليهم السلام)، وتأويل التابعين الذي ذکرنا منه نماذج في المذهب الأول، ومنه تأويل أبي سعيد لنزول الله تعالى بنزول رحمته کما تقدم، وتأويل مالک لذلک بنزول أمره، کما سيأتي.


105



وأخيراً، لم يجد الألباني مؤيدا لمذهبه الوهابي إلا مقاتلاً الفارسي المجوسي تلميذ اليهود المجسمين، وابن الکلبي المشهود عليه من الجميع بعدم الوثاقة! فانظر إلى بؤس هذا المذهب الذي يدعي أنه وارث السلفية وحامل رايتها والضارب وجوه المسلمين بسيفها، کيف فتش مرجعه في الحديث وبحث في المصادر وطرق أبواب السلف من الصحابة والتابعين، فلم يجد أحداً منهم يؤيد رأيه إلا أمثال هذه النظائر.. مقاتل وابن الکلبي، هذان کل السلف!!

وقال الألباني في فتاويه ص 516:

(سؤال: هل أن مذهب السلف هو التفويض في الصفات؟

جواب: قال ابن حجر العسقلاني وهو أشعري: إن عقيدة السلف فهم الآيات على ظاهرها دون تأويل ودون تشويش، إذا آمنا برب موجود لکن لا نعرف له صفة من الصفات... وحينئذ کفرنا برب العباد حينما أنکرنا الصفات بزعم التفويض). انتهى.

ويلاحظ أن سؤال السائل عن تفويض السلف، وينبغي أن يکون الجواب بذکر رأي أحد من السلف يفسر الصفات بالظاهر ولا يفوضها، ولو کان شخصاً واحداً، ولکن الألباني لم يأت له بمثال من السلف، لأنه لا يوجد کما رأيت في نصوصهم!

و جاء بدل ذلک بشهادة ادعاها لأحد علماء خلف.. الخلف، لأن ابن حجر متوفى سنة (582) يعني في أواخر القرن السادس!

ثم من حقنا أن نطالب الألباني بنص شهادة ابن حجر ومصدرها! فقد ذکرها بلا مصدر وخلطها بکلامه! وسيأتي رأي ابن حجر المخالف لماذکره عنه الألباني وسترى حملته الشديدة على أجداد الألباني من الحنابلة المجسمين.

هذا عن أکبر عالمين عند الوهابيين في عصرنا، وسنذکر المزيد من نصوصهم عن مذهبهم في التجسيم.

* * *

أما إمام الوهابيين فلم أطلع له على بحث معمق في التوحيد أو الصفات، وکتابه (التوحيد) يبدو أنه ألفه على عجل، حيث سرد فيه أحاديث في موضوعات متعددة تتعلق بموضوعات متنوعة من التوحيد، و وضع بعد کل حديث أو أکثر فهرساً مختصراً لما استفاده من أفکار، وسمى ذلک (مسائل) ولم أجد فيه حول الصفات إلا موردين فقط ولکنهما کافيان لإثبات أن معبوده مادي أعاذنا الله!

المورد الأول في ص 130، ونذکر نصه کاملاً لإختصاره، قال:

(باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات وقول الله تعالى: وهم يکفرون بالرحمن.. الآية، قال البخاري في صحيحة علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يکذب الله ورسوله. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض حين سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنکاراً لذلک فقال: ما فرق هؤلاء، يجدون رقة عند محکمه ويهلکون عند متشابهه). انتهى.

ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذکر الرحمن أنکروا ذلک فأنزل الله فيهم (وهم يکفرون بالرحمن). فيه مسائل:

الأولى: عدم الإيمان بجحد شئ من الأسماء والصفات.

الثانية: تفسير آية الرعد.


107



الثالثة: ترک التحديث بما لا يفهم السامع.

الرابعة: ذکر العلة أنه يفضي إلى تکذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنکر.

الخامسة: کلام ابن عباس لمن استنکر شيئاً من ذلک وأنه أهلکه). انتهى کلام إمام الوهابيين.

ويبدو بالنظرة الأولى أن استشهاده بحديث علي (عليه السلام) وحديث ابن عباس کان أمراً عادياً، ولکن المطلع على عقائد المجسمين واستدلالهم يطمئن بأنه يقصد التجسيم المحض الوارد في خبر أم الطفيل، الذي حکم بکذبه عدد من علماء الجرح والتعديل من إخواننا السنة، وبعضهم صححه فتأوله أو فوضه، ولکن المجسمة صححوه واعتبروه من العلم الذي يکتم عن العامة، ويبقى محصوراً بين خاصة الخاصة!!

قال الذهبي في سيره: 10/602:

(فأما خبر أم الطفيل، فرواه محمد بن إسماعيل الترمذي وغيره: حدثنا نعيم، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن کعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذکر أنه رأى ربه في صورة کذا، فهذا خبر منکر جداً، أحسن النسائي حيث يقول: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله! وهذا لم ينفرد به نعيم، فقد رواه أحمد بن صالح المصري الحافظ، وأحمد بن عيسى التستري، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن ابن وهب قال أبو زرعة النصري: رجاله معروفون.

قلت: بلا ريب قد حدث به ابن وهب وشيخه وابن أبي هلال، وهم معروفون عدول، فأما مروان، وما أدراک ما مروان؟ فهو حفيد أبي سعيد بن


108



المعلى الأنصاري، وشيخه هو عمارة بن عامر بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولئن جوزنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أدرى بما قال، ولرؤياه في المنام تعبير لم يذکره صلى الله عليه وسلم، ولا نحن نحسن أن نعبره، فأما أن نحمله على ظاهره الحسي فمعاذ الله أن نعتقد الخوض في ذلک بحيث أن بعض الفضلاء قال: تصحف الحديث، وإنما هو: رأي رئية بياء مشددة، وقد قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينکرون. وقد صح أن أبا هريرة کتم حديثاً کثيراً مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وکان يقول: لو بثثته فيکم لقطع هذا البلعوم، وليس هذا من باب کتمان العلم في شئ، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأکد نشره، وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء). انتهى.

وما قاله الذهبي هو الذي يقصده إمام الوهابيين، فقد عقد الباب تحت عنوان (باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات) ليقول إن الإيمان بکل صفات الله تعالى واجب وإنکار شئ منها کفر، وبما أن عدداً من صفات الله تعالى على مذهبه يلزم منها التجسيم، لذا تحدث عن وجوب کتمان ذلک إلا عن أهله، واستشهد بروايتين عن علي (عليه السلام) وابن عباس تجوزان کتمان هذا العلم!!

و هو أيضاً نفس ما قاله الذهبي عن (العلم المباح) أي المحظور، من تسمية الشئ بضده، ثم أفتى الذهبي بوجوب حصره بأهله وهم خواص العلماء بزعمه فقال (والعلم المباح لايجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء)!


109



و ذلک شبيهاً بالعلم الذي يحصره اليهود والنصارى برؤساء الإکليروس أي کبار الکرادلة والحاخامات!!

و النتيجة التي يهدفون إليها من توظيف هذه الأحاديث أن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلياًّ (عليه السلام)، وابن عباس، وأبا هريرة، کلهم مجسمون کالوهابيين وأنهم کانوا يکتمون صفات الله تعالى ويأمرون بکتمانها!!
ومن الواضح لمن له إطلاع على الحديث والتاريخ أن الأحاديث الثلاثة التي استشهد بها إمام الوهابيين والذهبي لا يصلح شئ منها شاهداً.

أما حديث أبي هريرة فقال عنه الناشر في هامش سير أعلام النبلاء في نفس الموضع: (أخرجه البخاري 1/191 - 192 (وفي طبعتنا: 1/8) في العلم: (باب حفظ العلم، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. قال الحافظ: وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد کان أبو هريرة يکني عن بعضه، ولا يصرح به خوفاً على نفسه منهم، کقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها کانت سنة ستين للهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة). انتهى.

فقصد أبي هريرة بشهادة ابن حجر وشهادة النصوص الأخرى المشابهة والقرائن، أنه کان يکتم ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في انحراف الأمة من بعده، وسبب کتمانه خوفه من السلطة!


110



وأين هذا من کتمان صفات الله الحسية إلا عن خواص العلماء کما زعموا؟!! وأما حديث علي (عليه السلام) فقد علق عليه في هامش سير النبلاء أيضاً بقوله: أخرجه عنه البخاري في صحيحه 1/199 (وفي طبعتنا: 1/41) في العلم: (باب حفظ العلم، في العلم: باب من خص بالعلم قوما دون قوم کراهية أن لا يفهموا، من طريق عبيد الله بن موسى، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن علي). انتهى. ورواه أيضاً في کنز العمال: 10/247 و301 و304. وهو يقرر قاعدة عامة هي أن التعليم والمخاطبة ينبغي أن يکونا متناسبين مع مستوى المخاطبين، ولا دلالة فيه ولا إشارة على ارتباطه بصفات الله تعالى أو بغيرها من المواضيع، وإن کنت أرجح أيضاً أن معناه قريب من معنى الحديث المتقدم.. فمن أين حکموا أن علياً (عليه السلام) يقصد کتمان الصفات، وأنه کان وهابياً مجسماً يکتم لوازم مذهبه عن المسلمين کما يفعلون!!

و أما حديث ابن عباس فقد تفرد به عبد الرزاق في مصنفه: 11/422، ولم أجده في أي مصدر غيره على کثرة ما راجعت، ورواه بعد حديث أبي هريرة في قصة المناظرة المزعومة بين الجنة والنار، قال: (عن معمر، عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتکبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعرتهم؟ فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحم بک من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بک من أشاء من عبادي، ولکل واحدة منکما ملؤها، فأما النار فإنهم يلقون فيها وتقول هل من مزيد، فلا تمتلئ حتى يضع رجله أو قال قدمه فيها،


111



فتقول: قط، قط، قط، فهنالک تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها ما شاء.

أخبرنا عبدالرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس عن أبيه قال: سمعت رجلاً يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة هذا، فقام رجل فانتقض، فقال ابن عباس: ما فرق من هؤلاء يجدون عند محکمه، ويهلکون عند متشابهه). انتهى ما في مصنف عبد الرزاق بلفظه. ولکن عبارة إمام الوهابية هي (عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض حين سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنکاراً لذلک فقال) وقصده بالصفات أن الرجل المستمع لم يؤمن بأن الله تعالى له رجل ويضعها في النار واستنکر ذلک فوبخه ابن عباس! فمن أين له العلم بذلک، فقد يکون الرجل صحابياً جليلاً استنکر على راوي الحديث هذا التجسيم، وقام من المجلس اعتراضاً.
ثم إن قول ابن عباس مجمل لا يدل على أنه قصد بالهلاک ذلک الرجل الذي انتفض أو تأفف ونکت ثيابه تبرأ! فقد يکون قصد بعض رواة الحديث.

وهل يستحق صحابي أو تابعي الحکم بالهلاک والکفر لأنه نهض ونکت ثيابه حتى لا يتحمل مسئولية حديث يراه کاذباً أو يشک فيه؟!
ثم إن عبارة ابن عباس التي في مصنف عبد الرزاق فيها کلمة (من) وليس فيها کلمة (رقة) التي نقلها إمام الوهابيين، ولو قلنا إن أصلها (يجدون رقة) لم يستقم المعنى أيضاً، لأن مقتضى مقابلتها بقوله (ويهلکون عند متشابهه) أن يقول (يرقون عند محکمه) لا أن يقول (يجدون رقة عند محکمه).

کما أنه لا معنى مفهوماً لقوله (ما فرق من هؤلاء).. إلخ. فإن في کلام ابن عباس تصحيفاً وإبهاماً.


112


ولکن مع ذلک ينبغي أن نشهد لإمام الوهابيين بأنه في هذا الموضوع أذکى من الذهبي، لأن حديث ابن عباس الذي استشهد به أکثر قرباً من هدفه، وإن کان لا دلالة فيه عليه!

المورد الثاني: تبنى إمام الوهابيين عدداً من أحاديث التجسيم خاصة حديث الحاخام، الذي ادعت بعض مصادر إخواننا أن النبي (صلى الله عليه وآله) صدقه، وقد أوردها ابن عبد الوهاب في آخر کتابه التوحيد وعقد لها باباً خاصاً فقال: (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملک، فضحک النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) الآية. وفي رواية لمسلم والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملک أنا الله، وفي رواية للبخاري (يجعل السموات على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع) إلى آخره). انتهى.

وراجع إن شئت في المجلد الثاني من العقائد الإسلامية روايات هذه القصة المزعومة التي تدعي أن أحد حاخامات اليهود علم نبينا (صلى الله عليه وآله) التجسيم!!

وقد تبنى إمام الوهابية هذه الأحاديث وتعمق في الغوص على معانيها، واستخراج لآليها، فاستنبط منها تسع عشرة مسألة عقائدية، قدمها إلى المسلمين ليوحدوا الله تعالى على أساسها فقال: فيه مسائل:


113



(الأولى: تفسير قوله: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة.

الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه (ص) لم ينکروها ولم يتأولوها.

الثالثة: أن الحبر لما ذکر ذلک للنبي (ص) صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلک!

الرابعة: وقوع الضحک الکثير من رسول الله (ص) عنده، لما ذکر الحبر هذا العلم العظيم.

الخامسة: التصريح بذکر اليدين، وأن السموات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى.

السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.

السابعة: ذکر الجبارين والمتکبرين عند ذلک.

الثامنة: قوله کخردلة في کف أحدهم.

التاسعة: عظمة الکرسي بنسبته إلى السماوات.

العاشرة: عظمة العرش بنسبته إلى الکرسي.

الحادية عشرة: أن العرش غير الکرسي والماء.

الثانية عشرة: کم بين کل سماء إلى سماء.

الثالثة عشرة: کم بين السماء السابعة والکرسي.

الرابعة عشرة: کم بين الکرسي والماء.

الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.

السادسة عشرة: أن الله فوق العرش.

السابعة عشرة: کم بين السماء والأرض.


114


الثامنة عشرة: کثف کل سماء خمسمائة سنة.

التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السموات بين أسفله وأعلاه مسيرة خمسمائة سنة). انتهى.

و هکذا أصدر إمام الوهابية حکمه بأن علوم اليهود هذه عن تجسيم الله تعالى بقيت سليمة لم تنلها يد التحريف، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) ضحک کثيراً لهذا العلم العظيم، وأن الله تعالى أنزل بتصديقه قرآناً، وقد يکون الله تعالى ضحک أيضاً مثل رسوله تصديقاً للحبر اليهودي، وارث هذا العلم المخزون العظيم ومبلغه إلى خاتم النبيين!!

والنتيجة عنده: أن الله تعالى له يدان وأصابع بالمعنى المادي الحسي، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) أقر هذا المعنى المادي ليدي الله تعالى وأصابعه ولم يتأوله، وأن الله تعالى موجود في منطقة فوق العالم على عرشه، وأن المسافة بيننا وبينه محددة بکذا سنة من السير مشياً على الأقدام!!

بل يمکن لنا بناء على رأي إمام الوهابية أن نحسب المسافة إلى عرش الله تعالى ومکان وجوده بالکيلومتر ونرسل إليها سفينة فضائية!!

ونترک الفتوى في ذلک إلى مفتي الوهابية الشيخ ابن باز؟!

من هذين النصين لإمامهم ابن عبد الوهاب والنصوص الکثيرة لاتباعه، يطمئن الباحث بأن مذهبهم في التوحيد هو نفس مذهب مجسمة اليهود، ثم مجسمة الحنابلة وابن تيمية والذهبي، فهم:

أولاً: يرفضون التأويل لأنه لا مجاز بزعمهم في القرآن والسنة، فکل الألفاظ يجب أن تحمل على معناها اللغوي المادي ولا يجوز أن تحمل على معان مجازية، أو تؤول أو تشوش على حد تعبيرهم!


115



فعندما يقول القرآن أو الحديث (يد الله وعين الله ووجه الله) فمعناه عندهم أن الله تعالى له يد وعين ووجه حقيقةً لا مجازاً! وعندما يقول (کل شئ هالک إلا وجهه) فمعناه عندهم أن الله يفنى ويبقى وجهه فقط، کما سيأتي!!

قال الشيخ ابن باز في فتاويه: 4/382:

(الصحيح الذي عليه المحققون (؟) أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة، وکل ما فيه فهو حقيقة في محله). انتهى.

وما أدري کيف يجرؤ عالم على إنکار وجود المجاز في القرآن، أي في اللغة العربية، التي نزل بها القرآن، ثم ينسب ذلک إلى المحققين الذين نرجوه أن يذکر لنا نصف واحد منهم!

بل کيف يستطيع أن يعيش مع الناس ومع عائلته إذا حمل کلامهم کله على الحقيقة، وماذا يفعل بمن يقول له: قرت عينک؟ فهل يفتي بجلده لأنه دعا عليه بسکون عينه والموت؟!

وغاية ما وصلت إليه أساليبهم الجدلية في الإستدلال على نفي المجاز في القرآن ما تقدم من کلام ابن تيمية، ومفاده أن ظاهر الآية إن کان غير مراد فهو باطل، ولا يجوز أن نقول إن ظاهر القرآن باطل، فلابد أن يکون مراداً!!

ولکنها مغالطة مکعبة، في معنى الظاهر، ومعنى البطلان، ومعنى الوجود في القرآن! وذلک لأنا بقولنا ظاهر الآية غير مراد نکون نفينا هذا المعنى عن القرآن فکيف يکون موجوداً فيه؟!

ولأن الباطل هو تصورنا الخاطئ لمعنى الآية وليس شيئاً موجوداً في القرآن.

ولأن الظاهر المنفي بقرينة لفظية أو عقلية لا يبقى ظاهراً، بل يصير خيالاً، بل إن الظاهر الحقيقي للکلام هو المعنى المتبادر المستقر، أما الظاهر بنظرة أولى


116


الذي يزول بالقرينة فهو کالفجر الکاذب الذي ما يلبث أن يزول ويعم الظلام ثم يظهر الفجر الصادق. فالقرينة اللفظية أو العقلية ذات دور مصيري في تعيين ماهو الظاهر المستقر.

وهذه النقطة مهمة في معرفة الخلل عندهم في فهم الظاهر والحمل على الظاهر. ولکن المسکونين بالظاهر الحسي والفهم المادي يستعملون لإثبات مزاعمهم الجدل المکعب، بل قد يستعملون المسدس، کما يفعلون في الباکستان!

ثانياً: أنهم يحرِّمون السکوت عن تفسير هذه الصفات وتفويض أمرها إلى الله تعالى، لأن ذلک يؤدي بزعمهم إلى التعطيل والإلحاد، وقد تقدم قول ابن تيمية (فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد)!

و هذا معناه أنهم يحرمون أي تأويل أو تفسير معنوي لآيات الصفات، ويحرمون تفويضها أيضاً ويوجبون على المسلمين تفسيرها بالمعنى الحسي المادي!!

و هذا الإصرار العجيب يفتح على الوهابيين بابين کبيرين من الإشکالات:


الباب الأول: باب الآيات والأحاديث التي تخالف مذهبهم:

فعندما يلتزمون بوجوب التفسير بالظاهر وحرمة التأويل، ويفسرون قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، بأن الله وجود منظور مرئي تنظر إليه العيون وتراه، فمن حقنا أن نسألهم:

ماذا تصنعون بمثل قوله تعالى: لا تدرکه الأبصار، وقوله تعالى: لن تراني، وقوله تعالى: ليس کمثله شئ؟


117


ولکنهم يجيبونک بأن المسألة سهلة، لأنا نتحول هنا إلى متأولين ولکن بطرق ملتوية لا يکون فيها ممسک علينا بأنا صرنا متأولة، فنؤول کل ما يخالف مذهبنا بغير ظاهره، ونحرم تفسيره بالظاهر! فنقول إن الأبصار لا تدرکه، يعني لا تحيط به، أو لا تدرکه لصغر حجمنا وکبر حجمه، فلا نرى إلا جزءاً منه أو نقول: إن المنفي بقوله تعالى ليس کمثله شئ، هو المثل وليس الشبيه، ونحن ننفي المثل والند والکفؤ ولا يجب علينا نفي الشبيه لله تعالى لا بنقل ولا بعقل، على حد تعبير إمامهم ابن تيمية!

وإذا قلت لهم: إذا فسرتم قوله تعالى: استوى على العرش، بأن الله تعالى موجود جالس على العرش، فماذا تصنعون بقوله تعالى: وهو معکم أينما کنتم؟ فإن هذه الآية تنقض مقولتکم بأنه تعالى موجود في مکان محدد من الکون، وتدل على أن وجوده من نوع آخر غير نوع الکون!

بل کما قال علي (عليه السلام): مع کل شئ لا بملامسة، وغير کل شئ لا بمباينة.

فيقولون لک: المسألة سهلة، نهرب من الإعتراف بالمعية ومن تأويلها معاً، ونتهم الذين يحتجون بها بأنهم ينکرون علو الله تعالى على عرشه ويريدون إثبات سفوله..

و هذا ما فعله مفتيهم الشيخ ابن باز فقال في فتاويه: 2/89:

(والذي عليه أهل السنة في ذلک أن الله سبحانه موصوف بالمعية على الوجه الذي يليق بجلاله، مع إثبات استوائه على عرشه وعلوه فوق جميع خلقه وتنزيهه عن مخالطته للخلق، ولما کانت الجهمية والمعتزلة يحتجون بآيات


118


المعية على إنکار العلو ويزعمون أنه سبحانه بکل مکان، أنکر عليهم السلف ذلک وقالوا: إن هذه المعية تقتضي علمه بأحوال عباده وإطلاعه عليهم، مع کونه فوق العرش). انتهى.

وقد تَعَلَّمَ ابن باز المناورة من الذهبي وابن تيمية فأول صفة المعية بالعلم، وحمل مسؤوليتها للسلف حتى لا يسجل أحد عليه أنه صار متأولاً، ثم برر تأويل السلف بأنهم اضطروا إلى ارتکاب التأويل الحرام، ليردوا على الذين أنکروا علو الله تعالى وأرادوا إثبات سفوله!!

بل لقد توفق المفتي هنا فوجد هنديا فحمله مسؤولية تأويل الآية التي تنافي مذهبهم! وهذا الشخص اسمه (الطلمنکي) فتمسک به ابن باز واحترمه وأکرمه ولبسه تأويل الآية في عنقه.

قال في فتاويه: 1/ 148:

(.. وإذا تبين هذا فإنه لا يؤخذ من قوله (وهو معکم) وما جاء في معناها في الآيات، أنه مختلط وممتزج بالمخلوقات، لا ظاهر ولا حقيقة، ولا تدل لفظ (مع) على هذا بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه المصاحبة والموافقة، والمقارنة في أمر من الأمور وهذا الإقتران في کل موضع بحسبه، قال أبو عمر الطلمنکي (رحمه الله): أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى (وهو معکم أين ما کنتم) ونحو ذلک من القرآن أنه علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه کما نطق به کتابه). انتهى.

و هکذا حل ابن باز مشکلة الآية فلم تمس يده التأويل، بل وجد شخصاً يؤول له وارتضى تأويله والحمد لله، وهو الطلمنکي! ثم أيد فتواه بالإجماع


119


الذي نقله الطلمنکي على أن جميع المسلمين من أهل السنة يعتقدون بأن الله تعالى وجود محسوس قاعد فوق عرشه! أي کما يقول اليهود بلا أدنى فرق!

وإذا تکلم الطلمنکي الذي قدمه الشيخ ابن باز إلى العالم الإسلامي فعلى الجميع أن يقبلوا ويسکتوا ويغمضوا عيونهم عن آراء جميع العلماء وألوف المصادر!!


و الباب الثاني من الإشکالات أکبر وأعظم، و هو باب التجسيم:

فعندما يقولون إن الله تعالى له يد وعين ووجه، وهو جالس على عرشه بهذه الصفات المادية، فقد جعلوه جسماً وصاروا عابدين لجسم!

يقولون لک: لا، نحن لسنا مشبهة ولا نشبه الله تعالى بخلقه، لأنه من شبهه بخلقه فقد جسمه وقد کفر!

تقول لهم: ما دمتم رفضتم التأويل، والتفويض، والمجاز، وأوجبتم التفسير بظاهر اللغة الحسي، فقد وقعتم في التشبيه والتجسيم، شئتم أم أبيتم!

يقولون: لا، نحن مصرون على تفسير صفات الله تعالى بالمعنى الظاهري الحسي، وفي نفس الوقت نرفض التجسيم الذي تقولون إنه يلزم من هذا التفسير، لأن الله تعالى ليس کمثله شئ!

تسألهم: بالله عليکم أرشدونا کيف تؤمنون برب جالس على کرسي وله يد ورجل ووجه وعين، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته، ويفرح ويضحک ويغضب، وخلق آدم على صورته فهو على صورة آدم... إلى آخر الصفات التي تعدونها، وکل ذلک بالمعنى الظاهر الحسي، ثم لا يکون شبيهاً بالموجودات المادية المحسوسة المحدودة بزمان ومکان!


120


يقولون لک: الأمر سهل نضيف إلى کل صفة عبارة (کما يليق بجلاله) فنقول: له عين بالمعنى المادي الظاهر ولکن ليست مثل عيون مخلوقاته بل کما يليق بجلاله!

وله يد ورجل ووجه، وکلها بالمعنى الظاهر الحسي، ولکن ليست مثل جوارحنا، بل کما يليق بجلاله!

وهکذا يتصورون أن حل الإشکالات العلمية والفلسفية يتم بمسحة المسيح بقولهم کما يليق بجلاله، کما حلوا التأويل بالطلمنکي!

ولکن أي جلال أبقوا لمعبودهم الذي جعلوا له أعضاء مادية، وجعلوه محدوداً بزمان ومکان وحرکة، بل قالوا إنه يفنى إلا وجهه؟! سبحانه وتعالى عما يصفون.

على هذا الأساس استحق الوهابيون أن يقال عنهم: إن مذهبهم مبني على أساس هش ومغالطة تسمى في علم المنطق: (قبول المقدمات ورفض النتيجة)، وتسمى في علم الکلام: (عدم الإلتزام بلوازم المذهب)، وتسمى في لغة عصرنا: (تبني التشبيه والتجسيم والفرار من اسمه).


التقية في التجسيم عند الوهابيين

و هکذا يستعمل الوهابيون التقية من المسلمين فلا يصرحون بصفات معبودهم، ثم تراهم يشنعون على الشيعة لاستعمالهم التقية من السلطات في مسألة الإمامة والصحابة!

إن الباحث في توحيد الوهابيين يرى نفسه بين أمرين: إما أن يحکم على علمائهم بعدم الفهم، أو يحکم عليهم بأنهم يستعملون التقية في الإفصاح عن


121


معبودهم، ولکنه يرى أن ابن عبد الوهاب وبعض تلاميذه المعاصرين مثل ابن باز والألباني، وأسلافهم کالذهبي وابن تيمية ومجسمة الحنابلة، يفهمون معنى الحمل على الظاهر وما يستلزمه من تجسيم، ولکنهم يدافعون عن أنفسهم أمام المسلمين بنفي هذه اللوازم، بينما يظهر التجسيم في کلماتهم وما يسرونه للخاصة من أتباعهم! مما يکتم تفسيره على حد قول ابن تيمية!

أو بالقول إن ما ورد في القرآن والسنة هو نفي الند والمثل والکفء أما الشبيه فلم يرد فيه نفي فلا مانع من القول به لا عقلاً ولا شرعاً، کما تقدم من کلامه!!

وأحياناً تظهر عقيدتهم في معبودهم صريحة في فلتات ألسنتهم وأفعالهم، کما ظهرت من ابن تيمية على منبر دمشق!! ويکفي للباحث عن حقيقة مذهبهم قول الذهبي المتقدم إن ذلک من (العلم المباح لا يجب بثه، ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء)!

و قوله في سيره: 20/331:

(ومسألة النزول فالإيمان به واجب وترک الخوض في لوازمه أولى). انتهى.

و کلمة (ترکه أولى) تعبير فقهي معناه أن قوله جائز ولکن الأحسن ترکه، فهو ملتفت إلى أن لوازم مذهبه التجسيم وملتزم بها، ولکنه يفضل عدم الکلام فيها حتى لا يکون ذلک ممسکاً عليه عند المنزهين!

وأما عوام الوهابيين فهم عوام أقحاح لا يعرفون إلا مدح مذهبهم بأنه مذهب التوحيد ومذهب السلف الصالح من الأمة، ولا يعرفون معنى التأويل والتفويض والحقيقة والمجاز.


122


وأما طلبتهم وأکثر خريجيهم فيتصورون أن حمل آيات الصفات على الظاهر الحسي هو مذهب جمهور الأمة وسلفها الصالح، لکثرة ما لقنوهم ذلک في کتبهم الدراسية ووسائل إعلامهم، ولا يکاد أحدهم يعرف معنى الحمل على الظاهر ولا لوازمه!

تقول لأحدهم: إن قول علمائک بأن الله تعالى جالس على عرشه، وإنه ينزل إلى الأرض کما نزل ابن تيمية عن درج المنبر في الشام، يلزم منه تحديد الله تعالى بالمکان والزمان وصفات المکين والزمين!

فيجيبک: کلا، لا يلزم من ذلک التشبيه والتجسيم! لأنه يجلس کما يليق بجلاله، وينزل کما يليق بجلاله..!

و يتصور هذا الطالب المسکين أنه إذا لقلق لسانه بقوله (کما يليق بجلاله) فقد حل المشکلة العلمية، أو دحا باب خيبر! فمثله کمثل الذي يأکل ويشرب في وضح النهار، ثم يصر على أنه صائم لم يذق شيئاً! لأنه صام کما يليق بصيامه، وأکل کما يليق بجنابه! مع أنه لم يبق شيئاً حسناً يليق بجنابه!

ومثله کمثل الذي قالوا له عن أستاذه وإمامه: رأيناه يشرب الخمر، فقال: لا، إنه بمجرد أن يلمس کأسها تصير شراباً طهوراً من الجنة. فقالوا له: رأيناه دخل إلى بيت زانية! فقال: لا، إنه بمجرد أن يلمسها تتحول إلى حوراء عيناء من الجنة!

ولکن الحقيقة لا تتغير بلمسة ذلک الشخص، ولا بقول هؤلاء، ولا بقول الطلمنکي!

ويدل النص التالي للسبکي أن التقية کانت معروفة عن أسلاف الوهابيين، وأن بعض علماء السنة المنزهين قد بين سببها!


123


 قال في طبقات الشافعية: 8/222:

(قال الشيخ بن عبدالسلام: والحشوية المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ضربان: أحدهما لايتحاشى من إظهار الحشو، ويحسبون أنهم على شئ! والآخر يتستر بمذهب السلف لسحت يأکله أو حطام يأخذه). انتهى!!


وقال الوهابيون معبودهم يفنى إلا وجهه

من معجزات القرآن أنه يسد الطريق على الإنحرافات العقيدية والفکرية لمن يتأمل فيه، وفيه آية تکفي وحدها لکشف زيف عقيدة الوهابيين في حمل الصفات على ظاهرها الحسي، وهي قوله تعالى (کل شئ هالک إلا وجهه) فماذا يقول فيها الوهابيون وأسلافهم المجسمة؟

هل يقولون کما قال أکثر المسلمين إن کلمة (وجهه) هنا مجازية بمعنى ذاته، أو بمعنى رسله وأوصيائهم؟ أم يصرون على أن معنى الوجه هو الوجه الحقيقي المادي ويلتزمون بأن کل الله تعالى يفنى ويهلک إلا وجهه؟! سبحانه وتعالى عما يصفون.

هنا تقف سفينة الوهابيين وکل المجسمين، وتتعطل محرکاتها بالکامل، وتعصف بهم العواصف، ويغرقون إلى الأذقان، ولکنهم مع ذلک يصرون على منطقهم مهما کانت النتيجة!

لقد قالوا ونعوذ بالله مما قالوا: إن الله تعالى يفنى إلا وجهه، ولا بد أنهم يحلون المشکلة بقولهم: يفنى فناء يليق بجلاله، ويهلک هلاکاً يليق بجلاله!!

و لم يقفوا عند هذا الحد، بل أنکروا أن أحداً من السلف يؤول (وجهه) في الآية بذاته أو رسله، وأنکروا ما هو موجود في البخاري!! حتى لا يظهر زيف عقيدتهم، ولا يثبت عندهم ضلال البخاري وکفره!! وإليکم القصة:


124


 قال الألباني في فتاويه ص 522:

(سؤال: يا شيخ لي عدة أسئلة، ولکن قبل أن أبدأ أقول أنا بالأمس قد ذکرت مسألة أو غفلت عن ذکر هذه المسألة، وهي عندما قلت إن الإمام البخاري ترجم في صحيحه عن معنى قوله تعالى (کل شئ هالک إلا وجهه) قال إلا ملکه، بصراحة أنا نقلت هذا الکلام عن کتاب اسمه (دراسة تحليلية لعقيدة ابن حجر) کتبه أحمد عصام الکاتب، وکنت معتقداً أن هذا الرجل إن شاء الله نقله صحيح، ولا زلت أقول ممکن نقله صحيح، ولکن أريد أن أقرأ عليک علامة في هذا الکتاب فهو يقول: قد تقدم ترجمة البخاري في سورة القصص (کل شئ هالک إلا وجهه) إلا ملکه ويقال إلا ما أريد به وجه الله، وقوله إلا ملکه، قاله الحافظ في رواية النسفي، وقال معمر فذکره، ومعمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى، وهذا کلامه في کتابه مجاز القرآن لکن بلفظ إلا هو. فأنا طبعاً اليوم رجعت إلى الفتح نفسه فلم أجد ترجمة للبخاري بهذا الشئ ورجعت لصحيح البخاري دون الفتح أيضاً لم أجد هذا الکلام للإمام البخاري ولکنه هنا کأنه يشير إلى أن هذا الشيء موجود في رواية النسفي عن رواية البخاري، فما أعرف جوابکم؟

جواب: جوابي قد سلف.

السائل: أنا طبعاً أردت أن أبين هذا، مخافة أن أقع في کلام عن الإمام البخاري.

الألباني: نعم جزاک الله خيراً.

السائل: أنت سمعت مني الشک في أن يقول البخاري هذه الکلمة لأنه (ويبقى وجه ربک ذو الجلال والإکرام) أي ملکه.


125


الألباني: يا أخي هذا لا يقوله مسلم مؤمن!

السائل: وقلت أيضاً إن کان هذا موجوداً فقد يکون في بعض النسخ.

الألباني: فإذن الجواب مقدم سلفاً وأنت جزاک الله خيراً لأن بهذا الکلام الذي ذکرته تؤکد أن ليس في البخاري مثل هذا التأويل الذي هو عين التعطيل.

السائل: شيخنا على هذه کأنه موجود في الفتح نحو من هذه العبارة، وأنا أذکر أني راجعت هذه العبارة باستدلال أحدهم فکأني وجدت مثل نوع هذا الإستدلال، يعني موجود وهو في بعض النسخ، لکن أنا قلت له لا يوجد إلا الله عز وجل وإلا مخلوقات الله عز وجل ما في غير هذا، وإذا کان کل شئ هالک إلا وجهه، أي إلا ملکه إذا ما هو الشئ الهالک؟

الألباني: هذا يا أخي ما يحتاج إلى تدليل على بطلانه، لکن المهم أن ننزه الإمام البخاري أن يؤول هذه الآية، وهو إمام في الحديث وفي الصفات، وهو سلفي العقيدة والحمد لله). انتهى کلام الألباني أعلم علماء الوهابيين بالحديث.

ونلاحظ أن جنابه لا مشکلة عنده في تفسير (وجهه) بالوجه الحسي لله تعالى، فهو يلتزم بأن کل شئ يهلک حتى يد معبوده وقدمه وجنبه وحقوه وکل بدنه! ويبقى وجهه فقط!!

هذه المقولة الفظيعة والمصيبة العظيمة التي يقولها الألباني ولا يجد من يوافقه عليها حتى مجسمة اليهود والنصارى الذين ما زالت بقيتهم عنده في الشام.. ليست هي المشکلة في نظر هذا العالم الوهابي!


126


إنما المشکلة عنده أنه يريد تنزيه صاحبه البخاري عن تأويل الصفات، لأن التأويل عمل حرام وهو من شر أقوال أهل البدع والإلحاد کما يقول إمامه ابن تيمية! وهو على حد تعبير الألباني عين التعطيل والضلال ولا يقوله مسلم مؤمن، والبخاري مسلم مؤمن!!

لقد شککت في کلام الألباني عن البخاري! فرجعت إلى البخاري فوجدت أن ما نفاه هذا (المحدث الخبير، الحافظ، مدرس صحيح البخاري) ونزه عنه البخاري موجود في صحيح البخاري: 6/17 وفيه بدل التأويل للآية تأويلات!

قال البخاري في تفسير سورة القصص:

(کل شئ هالک إلا وجهه: إلا ملکه. ويقال إلا ما أريد به وجه الله، وقال مجاهد: الأنباء الحجج). انتهى.

و قال ابن حجر في فتح الباري: 9/410:

(قوله: إلا وجهه: إلا ملکه. في رواية النسفي وقال معمر فذکره، ومعمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى، وهذا کلامه في کتابه مجاز القرآن لکن بلفظ إلا هو، کذا نقله الطبري عن بعض أهل العربية، وکذا ذکره الفراء.

و قال ابن التين: قال أبو عبيدة: إلا وجهه أي جلاله، وقيل إلا إياه، تقول أکرم الله وجهک أي أکرمک الله.

قوله: ويقال إلا ما أريد به وجهه. نقله الطبري أيضاً عن بعض أهل العربية ووصله ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن مجاهد مثله، ومن طريق سفيان الثوري قالا: إلا ما ابتغى به وجه الله من الأعمال الصالحة.


127


و يتخرج هذان القولان على الخلاف في جواز إطلاق شئ على الله، فمن أجازه قال الإستثناء متصل والمراد بالوجه الذات، والعرب تعبر بالأشرف عن الجملة، ومن لم يجز إطلاق شئ على الله قال هو منقطع، أي لکن هو تعالى لم يهلک، أو متصل والمراد بالوجه ما عمل لأجله). انتهى.

فالعبارة موجودة في البخاري وقد أکد ذلک شراحه، ومحاولة نسبتها إلى معمر مردودة بالأصل، وبشهادة الطبري أن عبارة معمر بلفظ (إلا هو)!!

لذلک فإن نصيحتنا للألباني وابن باز ومن عندهم شئ من الإنصاف من الوهابيين أن يختاروا التأويل، حتى لا يضطروا إلى الحکم بفناء معبودهم حتى عنقه ما عدا وجهه!! وحتى لا يضطروا إلى الحکم بضلال البخاري أو کفره لارتکابه تأويل الصفات! فهل يفعلون؟


أسلاف الوهابيين تورطوا قبلهم في الآية

يظهر أن المجسمين واجهوا مشکلة هذه الآية قديماً، فعندما فسروا (وجه الله) بالجارحة کما يقتضيه مذهبهم في الحمل على الظاهر الحسي، صفعت هذه الآية وجوههم وتحيروا في تفسيرها!

و يظهر أن المشکلة بقيت عندهم بلا حل لإصرارهم على عدم التأويل کما فعل الألباني، فکابروا وقالوا بفناء معبودهم ما عدا وجهه والعياذ بالله!!

قال السهيلي في الروض الآنف: 2/179:

(ذهب الأشعري في قوله تعالى: ويبقى وجه ربک، في معنى الوجه إلى ما ذهب فيه من معنى العين واليد وأنها صفات الله تعالى لم تعلم من جهة العقول ولا من جهة الشرع المنقول)!!


128


قال الشاطبي في الإعتصام: 2/330 واصفاً تفسير المجسمة للآية:

(قول من قال: إن کل شئ فإن حتى ذات الباري ما عدا الوجه، بدليل: کل شئ هالک إلا وجهه). انتهى!
ومن نتائج تفسيرهم السئ للآية أن الفقه الحنبلي لم يبحث اليمين بوجه الله فلم أعثر عليه في مصدر فقهي حنبلي على کثرة کتبهم الفقهية! لأنه عند المجسمين منهم يمين بجزء من الله وليس بالله تعالى کله فلا يکون يمينا ً!

بينما بحثه الأحناف وأفتى بعضهم بأنه يکون يميناً شرعياً لأن وجه الله تعالى تعبير مجازي عن ذاته، إلا أن يکون الحالف مجسماً فلا ينعقد!

قال الکاشاني في بدائع الصنائع: 3/6:

(ولو قال: ووجه الله، فهو يمين، کذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، لأن الوجه المضاف إلى الله تعالى يراد به الذات، قال تعالى: کل شئ هالک إلا وجهه، أي ذاته، وقال عز وجل: ويبقى وجه ربک ذو الجلال والإکرام، أي ذاته. وذکر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن الرجل إذا قال: ووجه الله لا أفعل کذا، ثم فعل أنها ليست بيمين! وقال ابن شجاع إنها ليست من أيمان الناس إنما هي حلف السفلة!). انتهى.

ونحن نميل إلى أن فتوى أبي حنيفة بأنها ليست يمينا أقرب إلى فکره لأنه بعد أن ترک مذهبه الزيدي وتاب إلى الحاکم العباسي وقبل توبته ووظفه مسؤلاً عن بناء مسجد کبير في بغداد.. صار يميل إلى معاداة أهل البيت (عليهم السلام) ويميل إلى التجسيم. وقد کان البعد عن أهل البيت والقرب من التجسيم أمرين متلازمين تقريباً.. ولکنا نتغاضى ونقبل من تلاميذ أبي حنيفة روايتهم الأولى عنه.


129


‌و قال في بدائع الصنائع: 3/143:

(والوجه يذکر ويراد به الذات، قال الله سبحانه وتعالى: کل شئ هالک إلا وجهه، أي إلا هو، ومن کفل بوجه فلان يصير کفيلاً بنفسه، فيثبت أن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن، فکان ذکرها ذکر للبدن کأنه قال أنت طالق، وکذا إذا أضاف إلى وجهها).

و قال السرخسي في المبسوط: 8/133:

(فإن قال: ووجه الله، روي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أنه يمين لأن الوجه يذکر بمعنى الذات، قال الله تعالى: ويبقي وجه ربک، قال الحسن وهو هو، وعلى قول أبي حنيفة لا يکون يميناً، قال أبو شجاع في حکايته عن أبي حنيفة هو من أيمان السفلة يعني الجهلة الذين يذکرونه بمعنى الجارحة. وهذا دليل على أنه لم يجعله يميناً). انتهى.

وَوَصْفُ ابن شجاع للحالفين بوجه الله بأنهم سفلة يشير إلى أن المجسمة کانوا قلة! وهو يدل على أن التجسيم کان منتشراً في عصر أبي حنيفة أي في أوائل القرن الثاني!

بل تدل الأحاديث عن أهل البيت (عليهم السلام) على أن التجسيم کان منتشراً في المخالفين لهم من القرن الأول فقد رد الإمام محمد الباقر (عليه السلام) تفسيرهم للآية، قال ابن بابويه في کتابه الإمامة والتبصرة ص 92: (عن أبي حمزة: عن أبي جعفر (عليه السلام): قال قلت له: قول الله تعالى: کل شئ هالک إلا وجهه، قال: يا فلان فيهلک کل شئ ويبقى الوجه؟! الله أعظم من أن يوصف)!

وروى الکليني في الکافي: 1/143:

(عن الحارث بن المغيرة النصري قال: سئل أبو عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) عن قول الله تبارک وتعالى: کل


130



شئ هالک إلا وجهه، فقال: ما يقولون فيه؟ قلت: يقولون: يهلک کل شئ إلا وجه الله! فقال: سبحان الله لقد قالوا قولاً عظيماً، إنما عنى بذلک وجه الله الذي يؤتى منه). انتهى.

وقد يحاول بعضهم أن يتخلص من الإشکال بدعوى أن کلمة (هالک) في الآية ليست بمعنى فان، ولکن الراغب في المفردات ص 544 فسر معنى الهلاک هنا فقال: (والرابع: بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسا وذلک المسمى فناء، المشار إليه بقوله: کل شئ هالک إلا وجهه). انتهى.


أحد أجداد المجسمين يحاول حل إشکال الآية

وقد حاول مقاتل بن سليمان وهو أحد أئمة المجسمين، أن يتخلص من إشکال الآية بتأويل العموم في (کل شئ) وجعله نسبياً، ولکن ذلک لا ينفع الوهابيين، ولا يصح على إطلاقه..

قال المزي في تهذيب الکمال: 28/ 437:

(وقال مکي بن إبراهيم عن يحيى بن شبل: قال لي عباد بن کثير: ما يمنعک من مقاتل؟ قال قلت إن أهل بلادنا کرهوه، قال: فلا تکرهنه فما بقي أحد أعلم بکتاب الله منه!

عن يحيى بن شبل: کنت جالساً عند مقاتل بن سليمان فجاء شاب فسأله: ما تقول في قول الله تعالى کل شئ هالک إلا وجهه؟ فقال مقاتل: هذا جهمي، قال: ما أدري ما جهمي، إن کان عندک علم فيما أقول وإلا فقل لا أدري، فقال: ويحک إن جهماً والله ما حج هذا البيت ولا جالس العلماء، إنما کان رجلا أعطي لساناً، وقوله تعالى: کل شئ هالک إلا وجهه، إنما کل شئ فيه الروح، کما قال لملکة سبأ: وأوتيت من کل شئ، لم تؤت إلا


131


ملک بلادها، وکما قال: وآتيناه من کل شئ سبباً، لم يؤت إلا ما في يده من الملک، ولم يدع في القرآن کل شئ وکل شئ إلا سرد علينا). انتهى.

ولکن تفسير مقاتل الذي أعجب الراوي لا ينفع الوهابيين لأنه تأويل والتأويل عندهم حرام، والواجب في مذهبهم حمل (کل شئ) على ظاهرها وعمومها لکل الموجودات حتى الله تعالى والعياذ بالله!! فإن أخذوا بتفسير مقاتل فقد تنازلوا عن أساس مذهبهم کما فعل جدهم مقاتل عندما أحرجه السائل!

ومن جهة أخرى فإن تفسير مقاتل غير صحيح أيضاً، لأن کلمة (کل شئ) المستعملة في القرآن الکريم في المخلوقات قد تکون للعموم الإستغراقي الکامل وقد تکون للعموم النسبي، ويعرف ذلک بالقرائن العقلية من مناسبات الحکم والموضوع.. فمثلاً قوله تعالى في سورة الأحقاف آية 24 - 25:

(بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم). تدمر کل شئ بأمر ربها فأصبحوا لايرى إلا مساکنهم کذلک نجزي القوم المجرمين). لايمکن تفسيرها بالعموم الإستغراقي لأن هياکل مساکنهم لم تدمرها الريح بنص الآية.
أما قوله تعالى في سورة البقرة الآية 106: (ألم تعلم أن الله على کل شئ قدير) ونحوه في آيات عديدة أخرى، فلا يمکن أن نقول فيه بالعموم النسبي ونستثني منه شيئاً لا يعلمه الله تعالى.

لکن في نفس الوقت يمکن القول بالعموم النسبي فيه من جهة أخرى وأن المقصود بکل شئ هنا الشئ القابل لأن يوجد ويقدر عليه.. إلخ.

أما في موضوعنا وهو قوله تعالى في آخر سورة القصص (کل شئ هالک إلا وجهه) فلا يصح فيه العموم النسبي الذي أراده مقاتل، لأن الهلاک في


132


الآية إذا کان خاصاً بذوات الأرواح کما زعم فهو يشمل الله تعالى لأنه ذو روح، فلماذا استثنت الآية منه وجه الله فقط دون بقية جوارحه المزعومة!

ثم ما دام مقاتل وتلاميذه تأولوا (کل شئ) في الآية بالعموم النسبي لذوات الأرواح، ليحلوا بذلک الإشکال الموجه إليهم، فلماذا لا يؤولون (وجهه) في الآية بذاته ويحلون الإشکال من أساسه؟ فالعموم الحقيقي ظاهر، والمعنى الحسي بزعمهم ظاهر! فلماذا صار تأويل أحدهما حلالاً، والآخر حراماً؟!

والإنصاف أن موضوع الآية هو (هلاک العالم قبل يوم القيامة) ومناسبة الحکم والموضوع تقضي أولاً بالعموم الحقيقي وعدم صحة استثناء شئ إلا ما استثناه الله تعالى، وتقضي ثانياً بأن الله تعالى خارج تخصصاً عن موضوع الآية لأن موضوعها هلاک المخلوقات لا الخالق، وهذا يوجب تفسير وجهه ببعض مخلوقاته، أو القول بأن المقصود به ذاته تعالى وأن الإستثناء في الآية منقطع.

وهکذا لم يستطع مقاتل وارث تجسيم اليهود، أن يلائم بجدله بين تجسيمه وبين الآية، ولم يتوفق في محاولته سلب العموم الإستغراقي عن (کل شئ) في القرآن وحصر معناها هنا بذات الأرواح!


تفسير السنة غير المجسمة للآية

لم يفسر علماء السنة (وجهه) في الآية بالجارحة کما قال المجسمون، بل قالوا إن معنى وجهه هنا: ذاته عز وجل، ووافقهم بعض علماء الشيعة.


133


قال الشاطبي في الإعتصام: 2/303:

(فهذه الأدلة تدل على أن بعض اللغة يعزب عن علم بعض العرب، فالواجب السؤال کما سألوا فيکون کما کانوا عليه، وإلا زل في الشريعة برأيه لا بلسانها.. ولنذکر لذلک ستة أمثلة... والرابع: قول من قال... وقصد هذا القائل ما يتجه لغة ولا معنى. وأقرب قول لقصد هذا المسکين أن يراد به ذوالوجه کما تقول فعلت هذا لوجه فلان أي لفلان فکان معنى الآية: کل شئ هالک إلا هو...).

و قال الفخر الرازي في تفسيره مجلد 3 جزء 6 ص 437:

(إلا وجهه: إلا إياه، والوجه يعبر به عن الذات).

و قال في مجلد 13 جزء 26 ص 22:

(اختلفوا في قوله: کل شئ هالک، فمن الناس من فسر الهلاک بالعدم، والمعنى أن الله تعالى يعدم کل شئ سواه. ومنهم من فسر الهلاک بإخراجه عن کونه منتفعاً به، إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء وإن کانت أجزاؤه باقية، فإنه يقال هلک الثوب وهلک المتاع ولا يريد به فناء أجزائه بل خروجه عن کونه منتفعاً به. ومنهم من قال معنى کونه هالکاً کونه قابلاً للهلاک في ذاته، فإن کل ما عداه ممکن الوجود لذاته، وکل ما کان ممکن الوجود کان قابلاً للهلاک فأطلق عليه الهلاک نظراً إلى هذا الوجه). انتهى. ويبدو أن الرازي يرجح هذا الوجه الأخير.

و قال في نفس الجزء ص 24:

(استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين: الأول، قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه، وذلک يقتضي الجسمية. والثاني، قوله وإليه ترجعون، وکلمة إلى لانتهاء الغاية، وذلک لا يعقل إلا في الأجسام.


134


والجواب: لو صح هذا الکلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه إلا الوجه! وقد التزم ذلک بعض المشبهة من الرافضة وهو بيان بن سمعان. وذلک لا يقول به عاقل!). انتهى.
والظاهر أن الرازي اقتصر على نسبة هذه المقالة الشائنة إلى ابن سمعان وأتباعه، وتحاشى نسبتها إلى مجسمة الحنابلة والأشعرية، مع أن ذلک مذکور عنهم في المصادر! وقد رأيت أن هذا هو التفسير الذي يقول به مجسمة عصرنا مثل الألباني وابن باز وأتباعهم!!

أما بيان بن سمعان الذي نسبه الرازي إلى الشيعة الرافضة فهو حلولي کافر ملعون في مصادر الشيعة، وقد ادعى له الألوهية أبوه سمعان وقبلها هو!

 قال في طرائف المقال: 2/231:

(قال بيان بن سمعان التميمي النهدي: الله على صورة إنسان، ويهلک کله إلا وجهه، وروح الله حلت في علي (عليه السلام) ثم في ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم، ثم في بيان ابنه، لعنه الله). انتهى.
 وذکر نحوه النوبختي في الفرق بين الفرق فقال في ص 216:

(في ذکر البيانية من الغلاة: وهم الذين زعموا أن الإمامة صارت من محمد بن الحنفية إلى ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد، ثم صارت من أبي هاشم إلى بيان بن سمعان بوصيته إليه، واختلف هؤلاء في بيان زعيمهم، فمنهم من زعم أنه کان نبياً، وأنه نسخ بعض شريعة محمد (ص) ومنهم من زعم کان إلهاً.. ثم إنه زعم أن الإله رجل من نور وأنه يضئ کله غير وجهه.. وهذه الفرقة خارجة عن جميع فرق الإسلام لدعواها إلهية زعيمها بيان). انتهى.


135


ولا نلوم الرازي على جعله (بيان بن سمعان) من الشيعة، فقد فرض علينا إخواننا السنة في مصادرهم عشرات الملحدين والملاعين وباعوهم لنا جبراً وحاسبونا على مقولاتهم وما زالوا، مع أن مصادرنا تنادي بالبراءة منهم ولعنهم!!

وهناک تفسير آخر لعلماء السنة للآية حيث فسروا (وجهه) فيها بالأعمال التي يراد بها وجه الله تعالى، وقد وافقهم بعض علماء الشيعة أيضاً.

قال الراغب في المفردات ص 513:

(ويبقى وجه ربک ذو الجلال والإکرام، قيل ذاته، وقيل أراد بالوجه ها هنا التوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة. وقال: فأينما تولوا فثم وجه الله، کل شئ هالک إلا وجهه، يريدون وجه الله، إنما نطعمکم لوجه الله. قيل إن الوجه في کل هذا ذاته ويعني بذلک کل شئ هالک إلا هو، وکذا في أخواته.

وروي أنه قيل ذلک لأبي عبد الله بن الرضا، فقال: سبحان الله لقد قالوا قولاً عظيماً، إنما عنى الوجه الذي يؤتى منه، ومعناه کل شئ من أعمال العباد هالک وباطل إلا ما أريد به الله، وعلى هذا الآيات الأخر، وعلى هذا قوله: يريدون وجهه، يريدون وجه الله). انتهى.

والصحيح: أبو عبد الله جعفر بن محمد أي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وليس أبا عبد الله بن الرضا. والظاهر أن الراغب أخذه حديث الکافي المتقدم، وأن الذي دفع هذا اللغوي إلى ترجيح هذا الوجه أن الله تعالى خارج تخصصاً عن موضوع الآية، وأن الإستثناء فيها متصل کما أشرنا.


136


تفسير علماء مذهب أهل البيت للآية

قال الشريف المرتضى في أماليه: 3/46:

(إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: کل شئ هالک إلا وجهه، وقوله تعالى: إنما نطعمکم لوجه الله، وقوله: ويبقى وجه ربک ذو الجلال والإکرام، وما شاکل ذلک من آي القرآن المتضمنة لذکر الوجه، قلنا: الوجه ينقسم في اللغة العربية إلى أقسام:

فالوجه: المعروف المرکب فيه العينان من کل حيوان.

والوجه أيضاً، أول الشيء وصدره ومن ذلک قوله تعالى: وقالت طائفة من أهل الکتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واکفروا آخره، أي أول النهار. ومنه قول الربيع بن زياد: من کان مسرورا بمقتل مالک فليأت نسوتنا بوجه نهار أي غداة کل يوم، وقال قوم وجه نهار اسم موضع. والوجه: القصد بالفعل، من ذلک قوله تعالى: (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله)، قال الفرزدق:

و أسلمت وجهي حين شدت رکائبي    إلى آل مروان بناة المکارم


أي جعلت قصدي وإرادتي لهم، وأنشد الفراء:

أستغفر الله ذنباً لست محصيه    رب العباد إليه الوجه والعمل

أي القصد، ومنه قولهم في الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، أي قصدت قصدي بصلاتي وعملي، وکذلک قوله تعالى: فأقم وجهک للدين القيم.
والوجه: الإحتيال في الأمر، من قولهم: کيف الوجه لهذا الأمر وما الوجه فيه، أي ما الحيلة.


137


والوجه: الذهاب والجهة والناحية، قال حمزة بن بيض الحنفي:

أي الوجوه انتجعـت قلـت    لهم لا بوجه إلا إلى الحکـم

متى يقل صاحبـاً سراقـة    هذا ابن بيض بالباب يبتسم

والوجه: القدر والمنزلة، ومنه قولهم: لفلان وجه عريض، وفلان أوجه من فلان، أي أعظم قدراً وجاهاً، ويقال: أوجهه السلطان إذا جعل له جاها قال امرؤ القيس:

ونادمت قيصر في ملکه    فأوجهني ورکبت البريدا

يقال حمل فلان فلاناً على البريد إذا هيأ له في کل مرحلة مرکوباً ليرکبه، فإذا وصل إلى المرحلة الأخرى نزل عن المعيى ورکب المرفه، وهکذا إلى أن يصل إلى مقصده.

والوجه: الرئيس المنظور إليه يقال: فلان وجه القوم، وهو وجه عشيرته.

ووجه الشيء: نفسه وذاته، قال أحمد بن جندل:

و نحن حفزنا الحوفزان بطعنة    فأفلت منها وجهه عتد نهد

أراد أفلته ونجاه، ومنه قولهم: إنما أفعل ذلک لوجهک. ويدل أيضاً على أن الوجه يعبر به عن الذات قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة، وقوله تعالى: وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية، لأن جميع ما أضيف إلى الوجوه في ظاهر الآي من النظر والظن والرضا لا يصح إضافته على الحقيقة إليها، وإنما يضاف إلى الجملة، فمعنى قوله تعالى: کل شئ هالک إلا وجهه: أي کل شئ هالک إلا إياه، وکذلک قوله تعالى: کل من عليها فان ويبقى وجه ربک ذو الجلال


138


والإکرام، لما کان المراد بالوجه نفسه لم يقل ذي الجلال کما قال: تبارک اسم ربک ذي الجلال والإکرام، لما کان اسمه غيره.

ويمکن في قوله تعالى: کل شئ هالک إلا وجهه، وجه آخر وقد روي عن بعض المتقدمين، وهو أن يکون المراد بالوجه ما يقصد به إلى الله تعالى ويوجه نحو القربة إليه جلت عظمته، فيقول لا تشرک بالله ولا تدع إلها غيره فإن کل فعل يتقرب به إلى غيره ويقصد به سواه فهو هالک باطل.

وکيف يسوغ للمشبهة أن يحملوا هذه الآية والتي قبلها على الظاهر؟ أو ليس ذلک يوجب أنه تعالى يفنى ويبقى وجهه، وهذا کفر وجهل من قائله.

فأما قوله تعالى: إنما نطعمکم لوجه الله، وقوله: إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى وقوله: وما آتيتم من زکاة تريدون وجه الله.. فمحمول على أن هذه الأفعال مفعولة له ومقصود بها ثوابه والقربة إليه والزلفة عنده.

فأما قوله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله، فيحتمل أن يراد به فثم الله لا على معنى الحلول ولکن على معنى التدبير والعلم، ويحتمل أن يراد به فثم رضا الله وثوابه والقربة إليه. ويحتمل أن يراد بالوجه الجهة وتکون الإضافة بمعنى الملک والخلق والإنشاء والإحداث لأنه عزوجل قال: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، أي أن الجهات کلها لله تعالى وتحت ملکه وکل هذا واضح بين بحمد الله). انتهى.

وخلاصة کلام الشريف الرضي (رحمه الله): أن الوجه في الآية بمعنى الذات، کما قال علماء السنة غير المجسمة، ويحتمل أن يکون بمعنى الأعمال الصالحة التي يراد بها وجه الله تعالى.


139


هذا، لکن وردت في مصادرنا روايات متعددة تفسر الوجه في الآية وکذا النظر إلى وجه الله في الآخرة، بالأنبياء وأوصيائهم صلوات الله عليهم جميعاً، لأنهم حملة معرفته وشرائعه، فهم وجه الله الذي منه يؤتى.

قال الطبرسي في الإحتجاج: 2/190: في حديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال:

قلت يابن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: إن ثواب لا إله إلا الله النظر إلى وجه الله؟ فقال (عليه السلام): يا أبا الصلت فمن وصف الله بوجه کالوجوه فقد کفر، ولکن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه عليهم صلوات الله، هم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، فقال الله عز وجل: کل من عليها فان ويبقى وجه ربک ذي الجلال والإکرام، وقال الله عز وجل: کل شئ هالک إلا وجهه، فالنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): من أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة، وقال: إن فيکم من لا يراني بعد أن يفارقني. يا أبا الصلت إن الله تبارک وتعالى لا يوصف بمکان، ولا يدرک بالأبصار والأوهام). انتهى. وقد تقدمت الرواية من الکافي: 1/143 عن الإمام الصادق (عليه السلام) بنحوه.

والطريف أن البخاري ذکر في صحيحه أن الوجه في الآية بمعنى الذات فقال في ج 8 ص 174: (باب قل أي شئ أکبر شهادة، وسمى الله تعالى نفسه شيئاً، قل الله؟ وسمى النبي صلى الله عليه وسلم القرآن شيئاً وهو صفة من صفات الله، وقال: کل شئ هالک إلا وجهه). انتهى. ويقصد البخاري بذلک أن قوله (شئ) يشمل الله تعالى وأن الإستثناء متصل، والمقصود بوجهه ذاته.


140


والأعجب من ذلک أنه ذکر عبارة کأنها تفسير أهل البيت (عليهم السلام) للآية. فقال في صحيحه: 6/17: (کل شئ هالک إلا وجهه، إلا ملکه، ويقال إلا ما أريد به وجه الله، وقال مجاهد: الأنباء الحجج). انتهى. ونسخ البخاري المطبوعة فيها کلها (الأنباء الحجج) ولعل الصحيح: الأنبياء والحجج، الذين هم وجه الله تعالى، وهو نفس ما تقدم عن أهل البيت (عليهم السلام)! وإنما قلنا (لعل الصحيح) لأن البخاري وضع قول مجاهد في تفسير قوله تعالى: کل شئ هالک إلا وجهه، وهي الآية 88 آخر سورة القصص.

ولکن يحتمل أن يقصد بذلک قوله تعالى: فعميت عليهم الأنباء يومئذ... وهي الآية 66 من سورة القصص. فيکون ما نقله عن مجاهد خارجاً عن موضوعنا.

وعلى هذا الإحتمال لا بد لنا من الإلتزام بسوء عبارة البخاري حيث ذکر تفسير الآية المتقدمة بلا عنوان في سياق الآية المتأخرة!

وأخيراً.. لا يبعد کما أشرنا أن يکون موضوع الآية ومصبها أجيال الناس في الأرض قبل يوم القيامة، ويکون المعنى: کل شئ سيفنى في الدنيا قبل يوم القيامة، إلا حجج الله تعالى فإنهم يبقون إلى آخر عمر الأرض حتى يرفع الله حجته من الأرض وتقع الصيحة. فتکون الآية في الهالک والثابت من الحياة الاجتماعية ونشوء الأجيال! ويکون معنى الهلاک فيها غير الفناء في قوله تعالى: کل من عليها فان. ومما يدل على ذلک: آخر الحديث المتقدم في الإمامة والتبصرة ص 92، ونحوه في الکافي: 1/143، ورواه الصدوق في کمال الدين ص 231 (عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت في قول الله عزوجل: کل هالک إلا وجهه؟ قال: يا فلان فيهلک کل شئ ويبقى وجه الله عز وجل،


141


والله أعظم من أن يوصف، ولکن معناها کل شئ هالک إلا دينه ونحن الوجه الذي يؤتى الله منه، ولن يزال في عباد الله حجة ما کانت له فيهم روبة، قلت وما الروبة؟ قال: الحاجة، فإذا لم يکن له فيهم روبة رفعنا الله فصنع ما أحب). انتهى.

وهذا التفسير هو الوحيد المعقول في اعتقادي، لأنه يستحيل أن تکون ذات الله تعالى مشمولة بالهلاک بأي نحو حتى تحتاج إلى استثناء! فلا بد بهذه القرينة أن نفسر (کل شيء) بالشئ المخلوق فيکون المستثنى مخلوقاً وهو أنبياء الله وحججه(عليهم السلام). وقد ورد في أحاديث أخرى کحديث الإحتجاج المتقدم أن المقصود بوجه الله تعالى في القرآن هو الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) وأن المقصود بالنظر إلى وجهه يوم القيامة النظر إليهم، ولا منافاة بين ذلک وبين أن يکونوا هم(عليهم السلام) المستثنى في الآية.. ولا يتسع المقام لتفصيل ذلک.


المزيد من نصوص الوهابيين في التجسيم

قال ابن باز في فتاويه: 2/94:

(الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد: فقد اطلعت أخيراً على ما نشر في مجلة البلاغ بعددها رقم 637 من إجابة الشيخ أحمد محمود دهلوب على السؤال الآتي: ما تفسير قول الله تعالى: استوى على العرش، وجاء في هذه الإجابة جملة نسبها إلى السلف وهي قوله: وقال السلف استوى على العرش أي استولى عليه وملکه کقولهم:

استوى بشر على العراق    من غير سيف أو دم مهراق


142


وحيث أن هذه النسبة إلى السلف غلط محض! أحببت التنبيه على ذلک لئلا يغتر من يراها فيظنها من قول العلماء المعتبرين، والصواب أن هذا التفسير هو تفسير الجهمية والمعتزلة ومن سلک سبيلهم في نفي الصفات وتعطيل الباري سبحانه وتعالى عما وصف به نفسه من صفات الکمال!

وقد أنکر علماء السلف رحمهم الله مثل هذا التأويل وقالوا: القول في الإستواء کالقول في سائر الصفات وهو إثبات الجميع لله على الوجه اللائق به سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تکييف ولا تمثيل، قال الإمام مالک: الإستواء معلوم والکيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وعلى هذا درج علماء السلف من أهل السنة والجماعة رحمهم الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة الحموية: فهذا کتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله (ص) من أولها إلى آخرها، ثم عامة کلام الصحابة والتابعين، ثم کلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى وهو فوق کل شئ وهو عال على کل شئ، وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء، مثل قوله تعالى: إليه يصعد الکلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالکلفة مثل قصة معراج الرسول إلى ربه، ونزول الملائکة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائکة الذين يتعاقبون فيکم بالليل والنهار.

وبما ذکرناه يتضح للقراء أن ما نسبه أحمد محمود دهلوب إلى السلف من تفسير الإستواء بالإستيلاء غلط کبير وکذب صريح!! لا يجوز الإلتفات إليه، بل کلام السلف الصالح في ذلک معلوم ومتواتر وهو ما أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) في تفسير الإستواء بالعلو فوق العرش، وأن الإيمان به


143


واجب وأن کيفيته لا يعلمها إلا الله سبحانه، وقد روي هذا المعنى عن أم سلمة أم المؤمنين وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالک (رحمه الله) وهو الحق الذي لا ريب فيه، وهو قول أهل السنة والجماعة بلا ريب، وهکذا القول في باقي الصفات من السمع والبصر والرضى والغضب واليد والقدم والأصابع والکلام والإرادة، وغير ذلک، کلها يقال فيها إنها معلومة من حيث اللغة العربية فالإيمان بها واجب والکيف مجهول لنا لا يعلمه إلا الله سبحانه، مع الإيمان أن صفاته سبحانه کلها کاملة وأنه سبحانه لا يشبه شيئاً من خلقه، فليس علمه کعلمنا ولأيده کأيدينا ولا أصابعه کأصابعنا ولا رضاه کرضانا إلى غير ذلک، کما قال سبحانه: (ليس کمثله شئ وهو السميع البصير). والواجب على المؤمن التمسک بما أخبر الله به ورسوله ودرج عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان، والحذر من مقالات أهل البدع الذين أعرضوا عن الکتاب والسنة، وحکموا أفکارهم وعقولهم فضلوا وأضلوا).

و قال ابن باز في فتاويه: 2/98:

(فقد اطلعت على ما نشر في صحيفة الشرق الأوسط في عددها 3383 الصادر في 3/4/1408 بقلم الدکتور محي الدين الصافي بعنوان (من أجل أن نکون أقوى أمة) وقد لفت نظري ما ذکره عن اختلاف السلف والخلف في بعض صفات الله، وهذا نص کلامه: (إلا أنه وردت في القرآن الکريم آيات تصف الله تعالى ببعض صفات المخلوقين من مثل قوله تعالى: يد الله فوق أيديهم، کل شئ هالک إلا وجهه، الرحمن على العرش استوى، وللعلماء في فهم هذه الآيات طريقتان، الأولى طريقة السلف وهي أن نثبت


144


الله تعالى ما أثبت لنفسه ولکن من غير تکييف ولا تمثيل ولا تعطيل، واضعين نصب أعينهم عدم تعطيل الذات الإلهية عن الصفات، مع جزمهم بأن ظاهر هذه الآيات غير مراد، وأن الأصل تنزيه الله تعالى عن کل ما يماثل المخلوقين لقوله تعالى: ليس کمثله شئ وهو السميع البصير. أما طريقة الخلف فهي تأويل هذه الکلمات وصرفها عن ظاهرها إلى المعنى المجازي فتکون اليد بمعنى القدرة والوجه بمعنى الذات والإستواء بمعنى الإستيلاء والسيطرة ونفوذ الأمر، لأنه قام الدليل اليقيني على أن الله ليس بجسم ولقوله تعالى: ليس کمثله شئ وهو السميع البصير. وکل من الطريقين صحيحة مذکورة في الکتب المعتمدة للعلماء الأعلام... إلخ).
وقد أخطأ عفا الله عنا وعنه في نسبته للسلف (جزمهم بأن ظاهر هذه الآيات غير مراد) فالسلف رحمهم الله ومن سار على نهجهم إلى يومنا هذا يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الکمال أو أثبته له رسوله (ص) ويعتقدون حقيقتها اللائقة بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تکييف ولا تمثيل ولا تأويل لها عن ظاهرها ولا تفويض! قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الفتوى الحموية ما نصه: روى أبو بکر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: کنا والتابعيون متوافرون نقول إن الله تعالى ذکره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات، فقد حکى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين الذين هم مالک إمام أهل الحجاز والأوزاعي إمام أهل الشام والليث إمام أهل مصر والثوري إمام أهل العراق، حکى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم


145


المنکر لکون الله فوق عرشه والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف کان يخالف هذا.

أما قوله (أما طريقة الخلف فهي تأويل هذه الکلمات وصرفها عن ظاهرها) إلى قوله (وکل من الطريقتين صحيحة مذکورة في الکتب المعتمدة للعلماء الأعلام) انتهى. أقول: هذا خطأ عظيم فليست کلتا الطريقتين صحيحة، بل الصواب أن طريقة السلف هي الصحيحة وهي الواجبة الاتباع، لأنها عمل بالکتاب والسنة وتمسک بما درج عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان من التابعين ومن تبعهم من الأئمة الأعلام، وفيها تنزيه الله سبحانه وتعالى عن صفات النقص بإثبات صفات الکمال وتنزيه الله سبحانه عن صفات الجمادات والناقصات والمعدومات، وهذا هو الحق، أما تأويلها على ما يقول علماء الخلف من أصحاب الکلام، فهو خلاف الحق وهو تحکيم للعقل الناقص وقول على الله بلا علم، وفيه تعطيل الله جل وعلا من صفات الکمال، فهم فروا من التشبيه المتوهم في أذهانهم ووقعوا في التعطيل.

والخلاصة أن مذهب السلف هو الحق الذي يجب أتباعه والقول به، وأما ما ذهب إليه بعض علماء الخلف من تأويل نصوص صفات الله جل وعلا فهو باطل مخالف لکتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عليه سلف الأمة.

وقوله (قام الدليل على أن الله ليس بجسم) هذا الکلام لادليل عليه لأنه لم يرد في الکتاب ولا في السنة وصف الله سبحانه بذلک أو نفيه عنه! فالواجب


146


السکوت عن مثل هذا، لأن مأخذ صفات الله جل وعلا توقيفي لا دخل للعقل فيه، فيوقف عند حد ما ورد في النصوص من الکتاب والسنة).

 وقال ابن باز في فتاويه: 2/105:

(من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المکرم محمد بن أحمد سندي وفقه الله وزاده من العلم والإيمان آمين، سلام عليکم ورحمة الله وبرکاته وبعد: کتابکم المطول المؤرخ بدون وصل وصلکم الله بهداه وما تضمنه من الأمور الآتية:

1 - قولک في صدر الکتاب: الله منزه عن الجهة ولا يحيط به مکان.

2 - قولک لفت نظري واسترعى انتباهي وأنا أتصفح کتاب (صراع بين الحق والباطل) للأستاذ سعد صادق ثم ذکرت ما احتج به على علو الله من الآيات والأحاديث إلى أن قلت: ولست أدري ما الذي يجنيه ذلک المؤلف وأمثاله من هذا الاعتقاد الذي يکون في الغالب مثاراً للفتن والإضطرابات وتفريق الصفوف، إلى أن قلت: وخاصة وأن العامة يتمسکون بما في هذا الکتاب ويعتقدون بأن الله موجود في السماء... إلخ. ثم ذکرت في آخر هذا الکتاب أنک نقلت کلام الرازي والقرطبي والصاوي للإحاطة، ولعلي أرد عليها. والذي يظهر لي من کتابک هذا أنک لست متبصراً في أمر العقيدة في باب الأسماء والصفات، وأنک في حاجة إلى بحث خاص وعناية بما يوضح لک العقيدة الصحيحة.

وعليه: فاعلم بارک الله فيک أن أهل السنة والجماعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان مجمعون (؟) على أن الله في السماء وأنه فوق العرش وأن الأيدي ترفع إليه سبحانه، کما دلت على ذلک


147


الآيات والأحاديث الصحيحة کما أجمعوا أنه سبحانه غني عن العرش وعن غيره، وهکذا قال أهل السنة في جميع الصفات مثل قول مالک: المعاني معلومة على حسب ما تقتضيه اللغة العربية التي خاطب الله بها العباد، والکيف مجهول، وتلک المعاني معان کاملة ثابتة موصوف بها ربنا سبحانه، لا يشابه فيها خلقه، والکلام في هذا يحتاج إلى مزيد بسط، وسنفعل ذلک إن شاء الله بعد وصولنا إلى المدينة، ونقرأ عليک کتابک وننبهک على ما فيه من أخطاء ونوصيک بتدبر القرآن الکريم والإيمان بأن جميع ما دل عليه حق لائق بالله سبحانه فيما يتعلق بباب الأسماء والصفات، کما أن جميع ما دل عليه حق في جميع الأبواب الأخرى، ولا يجوز تأويل الصفات ولا صرفها عن ظاهرها اللائق بالله ولا تفويضها، بل هذا کله من اعتقاد أهل البدع، أما أهل السنة والجماعة فلا يؤولون آيات الصفات وأحاديثها ولا يصرفونها عن ظاهرها ولا يفوضونها، بل يعتقدون أن جميع ما دلت عليه من المعنى کله حق ثابت الله لائق به سبحانه لا يشابه فيه خلقه کما قال سبحانه (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يکن له کفواً أحد) وقال سبحانه (ليس کمثله شئ وهو السميع البصير) نفى عن نفسه مماثلة الخلق وأثبت لنفسه السمع والبصر على الوجه اللائق به، وهکذا بقية الصفات.

ونوصيک أيضاً بمطالعة جواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماه وجوابه لأهل تدمر ففي الجوابين خير عظيم، وتفصيل لکلام أهل السنة، ونقل لبعض کلامهم ولا سيما الحموية، کما أن فيهما الرد الکافي على أهل البدع، ونوصيک أيضاً بمطالعة العقيدة النونية ومختصر الصواعق المرسلة وکلاهما للعلامة ابن القيم، وفيهما من البيان والإيضاح لأقوال أهل السنة والرد على


148



أهل البدع ما لعلک لا تجده في غيرهما، مع التحقيق والعناية بإيضاح الأدلة من الکتاب والسنة وکلام سلف الأمة). انتهى.

ولم نجد في کلام ابن باز شيئاً جديداً عما ذکره ابن تيمية، نعم ينبغي الإشارة إلى المفتي الأکبر وافق تلميذه الألباني على تفسير (کل شئ هالک إلا وجهه) بالوجه الحقيقي لله، سبحانه وتعالى.
وليت المجال يتسع لعرض نماذج من نونية ابن القيم التي يوصي المفتي المحترم بأخذ عقيدة التوحيد منها ليرى القارئ أنها لا يصح أن تسمى قصيدة ولا توحيداً، فقد کتب ابن قيم ستة آلاف سطر جبلها جبلاً منکراً أخجل فيه الأدب العربي! وخبط فيها في التوحيد خبطاً أوجع فيه المتانة العلمية عند علماء المسلمين جلداً وتعزيراً!!


وتستر الوهابيون بالإمام مالک ونسبوا مذهبهم إليه

دأب ابن تيمية وتبعه الوهابيون کما رأيت من ابن باز والألباني على الإستشهاد لمذهبهم بقول الإمام مالک في تفسير قوله تعالى: على العرش استوى.

و قال ابن باز أيضاً في فتاويه: 5/171:

(فهو سبحانه العالي فوق خلقه والمستوي على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، وليس المعنى استولى کما تقول المبتدعة من الجهمية وغيرهم، بل هو بمعنى ارتفع فوق عرشه کما قال السلف، ومما اشتهر في ذلک قول مالک رضي الله عنه لما سئل عن قوله: الرحمن على العرش استوى کيف استوى؟ فأجاب: الإستواء معلوم، والکيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). انتهى.


149


و قال الألباني في فتاويه ص 518:

(سائل سأل مالک فقال له يا مالک: الرحمن على العرش استوى کيف استوى؟ قال: الإستواء معلوم الإستواء المعلوم لا يعني الإستواء المفوض معناه، الإستواء معلوم هو العلو، لکن الکيف مجهول، فقال مالک: أخرجوا الرجل فإنه مبتدع! وإذا أخذنا بفتوى مالک فما هو حکم تفسير الخليفة عمر للإستواء بأن الله تعالى يجلس على العرش فيئط العرش من ثقله أو يکون له صرير أو أزيز کصوت خشب حداجة البعير عندما تکون جديدة ويرکب عليها أحد! وستأتي روايات ذلک.

الشئ الثاني: إذا قال الإمام أحمد أو غيره: مروها (يقصد أمروها) کما جاءت ترى قبل الإمام أحمد إمام دار الهجرة وهو الإمام مالک رضي الله عنه هل کان على هذا المذهب حينما جاءه ذاک السائل فقال له: يا مالک، الرحمن على العرش استوى کيف استوى قال الإستواء معلوم فالإستواء معلوم لا يعني الاستواء مفوض معناه لا، قال الإستواء معلوم، وهو العلو، لکن الکيف مجهول وهذا هو مذهب السلف، ولذلک کان تمام کلام الإمام مالک رضي الله عنه قال: أخرجوا الرجل فإنه مبتدع.

لم يکن هذا الرجل السائل مبتدعاً لأنه سأل عن معنى خفي عليه عن قوله: الرحمن على العرش استوى، وإنما أخرج وبدع لأنه سأل عن کيفية الإستواء فکان قول الإمام مالک هذا هو الذي يمثل منهج السلف الصالح والمتبعين لهم بإحسان إلى يوم الدين هو أن معاني آيات الصفات وأحاديث الصفات مفهومة لغة، لکن کيفياتها مجهولة تماماً، فلا يعرف کيفية الذات إلا صاحب


150


الذات، ولا يعرف کيفية الصفات إلا الذات نفسها، لکن الإستواء معلوم والسمع معلوم والبصر معلوم إلى آخره.

ولذلک أنا أعتقد أن تفسير کلمة الإمام أحمد: مروها کما جاءت، هو بأنها تعني عدم فهم الآيات، وأن نقول الله أعلم بمراده کما يزعم الخلف، هذا هو أصل التعطيل المؤدي إلى جحد الخالق سبحانه وتعالى، ولذلک فأنا يعجبني کلمة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رضي الله عنه وأکررها على مسامعکم لتحفظوها لأن فيها جماعة هذه المسألة في کلمتين يقول رضي الله عنه (المشبه يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً) فالله إذا قال إنسان ليس فوق وليس تحت وليس يمين وليس يسار وليس داخل العالم ولا خارجه کما يقول المبتدعة الضالون في هذا البلد خاصة، يزعمون أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، هذا وصف للمعدوم الذي لا وجود له لو قيل لإنسان ما العدم شئ، ماذا تتصورون أن يکون الجواب هل هو فعلاً شئ؟ العدم لا شئ. إذا قيل أن هذا العدم الذي لا شئ هو داخل العالم أو خارجه هل يصح هذا الوصف؟ لا، لا يصح، فإذا کان هناک شئ له وجوده وله کيانه فهل يقال أنه ليس داخل العالم وليس خارج العالم کذلک؟ لايقال إذن من هنا قال ابن تيمية رضي الله عنه: والمعطل يعبد عدماً أي: شيئاً لا وجود له).

انتهى کلام الألباني المطول، وترجمته المختصرة: أن الله تعالى جسم لأنه لا يوجد في الطبيعة ولا خارجها إلا الأجسام! واستواؤه على العرش مادي، ولا تسأل کيف، وإلا کفرناک وقلنا أخرجوه أو اقتلوه!


151


ولا تقل إن هذا إرهاب فکري فهذا موقف الإمام مالک، ونحن نقلده في تفسيره للصفات وفي إرهابه الديني، وإن کنا نخالفه في بدعته بتجويز زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله)!

ولا تقل إن الخليفة عمر فسر جلوس الله تعالى على العرش بجلوس الرجل على حداجة البعير أو الکرسي الخشبية الجديدة، فصارت تئز وتئط وتصر وتطقطق من ثقله!! لأن هذا التفسير حلال للخليفة عمر حرام عليک!!
ولکن إذا صح ما نسبوه إلى المفوضة في هذا الموضوع من إرهاب فکري فإن المفوضة ارتکبوا إرهاباً واحداً، أما الوهابيون فقد ارتکبوا إرهابيين وتفويضاً! فالمفوضة قالوا: لا نعرف کيف استوى على العرش، ويحرم عليک السؤال عنه. والوهابيون قالوا: يجب أن تفسر الإستواء بالإستواء المادي وإلا فأنت مفوض جهمي معطل ضال ملحد! وبعد أن تفسره بذلک يقولون لک: يجب أن تفوض معناه وإلا فأنت فاسق مظهر لما أوجب الله کتمانه من تجسيمه!

سبحان الله، صار التفويض الحرام واجباً هنا، ولکن بعد الإجبار على التفسير الحسي!! لقد ارتکبوا الإرهاب على التفسير الحسي، ثم الإرهاب على تفويض الإستواء الحسي وعدم السؤال عن کيفيته!!

فالمفوض کمن يقول لک: لا تفتح باب السؤال ولا تدخل هذا المکان. والوهابي کمن يقول لک: إقفز من السطح، لکن لا تقع على الأرض!

أما ما نسبوه إلى الإمام مالک فلم يثبت عنه ما يريدون التشبث به، وإليک کل ما روي عنه في هذا الموضوع!


152


1 - روى الذهبي في سيره: 8/100، عن جعفر بن عبد الله قال: کنا عند مالک فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله: الرحمن على العرش استوى کيف استوى؟ فما وجد مالک من شئ ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينکت بعود في يده حتى علاه الرحضاء، ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال: الکيف منه غير معقول، والإستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنک صاحب بدعة، وأمر به فأخرج. قال سلمة بن شبيب مرة في رواية هذا وقال للسائل: إني أخاف أن تکون ضالاً.

2 - وقال أبو الربيع الرشيديني: حدثنا ابن وهب قال کنا عند مالک فقال رجل: يا أبا عبدالله: الرحمن على العرش استوى، کيف استواؤه؟ فأطرق مالک وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى کما وصف نفسه ولا يقال له کيف، وکيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه.

3 - وقال محمد بن عمرو قشمرد النيسابوري: سمعت يحيى بن يحيى يقول: کنا عند مالک فجاءه رجل فقال: الرحمن على العرش استوى، فذکر نحوه، وفيه فقال: الإستواء غير مجهول.

4 - 5 - وروى الذهبي في سيره: 8/105: وقال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالک قال: يتنزل ربنا تبارک وتعالى أمره، فأما هو فدائم لا يزول، قال صالح: فذکرت ذلک ليحيى بن بکير فقال: حسن والله، ولم أسمعه من مالک. قلت: لا أعرف صالحاً، وحبيب مشهور، والمحفوظ عن مالک رواية


153


الوليد بن مسلم أنه سأله عن أحاديث الصفات فقال: أمرها کما جاءت بلا تفسير، فيکون للإمام في ذلک قولان إن صحت رواية حبيب.

6 - قال القاضي عياض: قال أبو طالب المکي: کان مالک رضي الله عنه أبعد الناس من مذاهب المتکلمين وأشد نقضاً للعراقيين. ثم قال القاضي عياض: قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالکاً فقال: الرحمن على العرش استوى کيف استوى، فسکت مالک حتى علاه الرحضاء ثم قال: الإستواء منه معلوم والکيف منه غير معقول والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب، وإني لأظنک ضالاً أخرجوه). انتهى.

وأنت ترى أنه لا يوجد في آراء الإمام مالک هذه نص واحد بالحمل على الظاهر کما زعم الوهابيون، بل فيها ما هو صريح بضد ما نسبوه إليه!

فالرواية الأولى نفى فيها مالک الکيف عن الله تعالى ومنه کيف الإستواء لا أنه نفى کيفية الإستواء، قال (الکيف منه غير معقول، والإستواء منه غير مجهول) وهذه العبارة تعني أن الإستواء عنده بلا کيف أصلاً، فهو ليس استواء حسياً کيفيته مجهولة کما يقول الوهابيون! ومعنى أنه غير مجهول أنه قطعي الثبوت لله تعالى لأنه بنص القرآن، فأين دلالته على ما يدعونه من الإستواء الحسي؟!

والرواية الثانية والثالثة، تؤکدان ما ذکرناه عن الأولى قال (الرحمن على العرش استوى کما وصف نفسه، ولا يقال له کيف، وکيف عنه مرفوع) بل إن عبارة لا يقال له کيف هي المستعملة في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وفي کلمات المنزهين لنفي المادية عن الله تعالى.


154


والرواية الرابعة، أول فيها الإمام مالک النزول بنزول أمره، (قال: يتنزل ربنا تبارک وتعالى أمره، فأما هو فدائم). والتأويل عند الوهابيين بدعة وتعطيل وضلال وإلحاد، فاللازم في مذهبهم أن يحکموا على الإمام مالک بذلک، ويخلصوه من التستر باسمه!
والرواية الخامسة، تفويض محض، لا حمل فيها على ظاهر ولا باطن، وقد اعترف بذلک الذهبي (سأله عن أحاديث الصفات فقال: أمرها کما جاءت بلا تفسير).
والسادسة، فيها (الإستواء منه معلوم، والکيف منه غير معقول) فقد نفى فيها الکيف عن الإستواء أي نفى الإستواء الحسي الوهابي عن الله تعالى، وقد نص على أن المنفي هو کيف الإستواء أو مطلق الکيف عن الله تعالى بکلمة (منه) وأوضح بذلک أن مراده بقوله معلوم أنه ثابت بالقرآن، کما تقدم. فأين ما يدعونه على الإمام مالک من موافقة مذهبهم؟!
ولماذا يصرون على التستر باسمه، ويصورون للمسلمين أن الامام مالک معهم ومنهم، ولم يبق إلا أن يصدروا له هوية عضوية في جماعة الطالبان!!
وقال في المدونة الکبرى: 6/465: (وسئل رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى الرحمن على العرش استوى، فعرق وأطرق وصار ينکت بعوده في يده ثم رفع رأسه وقال: الکيف منه غير معقول، والإستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأظنک صاحب بدعة وأمر بالسائل فأخرج، کذا في طبقات الشعراني). انتهى.


155


وهذه الرواية، وهي رواية مدونة مالک، کالرواية الأولى تبدأ بنفي کيفية الإستواء بالمعنى الحسي الذي يقولونه! فمن أين فسروا قوله إن الإستواء غير مجهول بأنه يقصد به الإستواء المادي على العرش؟ تعالى الله عن ذلک.
 ويؤيد ما فهمناه من کلمات مالک شهادة الشافعي التي نقلها السبکي في طبقات الشافعية: 9/40:

(قال الشافعي: سألت مالکاً عن التوحيد فقال: محال أن نظن بالنبي (ص) أنه علم أمته الإستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، وقد قال (ص) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... ولم يقل: من التوحيد اعتقاد أن الله تعالى في جهة العلو). انتهى.


الإمام مالک يکذب کل أحاديث الرؤية ويهدم أساس مذهبهم

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: 8/103:

(أبو أحمد بن عدي: حدثنا أحمد بن علي المدائني، حدثنا إسحاق ابن إبراهيم بن جابر، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر قال ابن القاسم سألت مالکاً عمن حدث بالحديث الذي قالوا: إن الله خلق آدم على صورته، والحديث الذي جاء: إن الله يکشف عن ساقه، وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد، فأنکر مالک ذلک إنکارا شديدا ونهى أن يحدث بها أحد! فقيل له إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به فقال: من هو؟ قيل ابن عجلان عن أبي الزناد، قال لم يکن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يکن عالماً، وذکر أبا الزناد فقال: لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات). انتهى.

و هو نص غني فيه معلومات مهمة.. ومعنى کلام الإمام مالک أن الراوي الأصلي لهذا الحديث هو أبو الزناد، وهو متهم لأنه کان عاملاً عند بني أمية


156


فهو موظف عندهم ينشر أحاديث التجسيم التي أخذوها من کعب الأحبار وغيره من اليهود وتبنوا نشرها في الأمة! وهي رواية تکفي الباحث ليعرف أن الدولة الأموية قد تبنت الإسرائيليات من القرن الأول ودستها في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنها وظفت رواة يروونها حتى من غير العلماء!! وهي شهادة من مالک تکفي لاتباع مذهبه ولکل منصف لکي يتوقف في کل أحاديث التشبيه والتجسيم الأموية اليهودية.

ولکن أنظر إلى الذين أُشْرِبُوا في قلوبهم التشبيه والتجسيم کالذهبي، کيف التفوا على موقف الإمام مالک الواضح القاطع، وأهانوه بأنه جاهل لم يطلع على تلک الأحاديث الکثيرة الصحيحة بزعمهم!

وقال الذهبي بعد إيراده قول الإمام مالک المتقدم: (قلت: أنکر الإمام ذلک، لأنه لم يثبت عنده ولا اتصل به فهو معذور، کما أن صاحبي الصحيحين معذوران في إخراج ذلک أعني الحديث الأول والثاني لثبوت سندهما، وأما الحديث الثالث فلا أعرفه!). انتهى.

فکأنه يجب على الإمام مالک برأي الذهبي أن يقلد البخاري، وقد کان مالک إماماً رسمياً لکل الدولة الإسلامية والبخاري ما زال في صلب جد جده! فهل يحرم على مالک أن يجتهد ويخالف البخاري في تصحيح أحاديث أو ردها؟! أم ينبغي للبخاري أن يتوقف عن رواية أحاديث کان الإمام مالک يشهد بکذبها وأمويتها!!

بل يشير النص التالي إلى أن مالکاً کان طيلة حياته يتبنى أربعة آراء مهمة: أولها، عدم زيادة الإيمان ونقصه. ثانيها، القول بخلق القرآن. ثالثها، عدم رؤية الله تعالى حتى في الآخرة. رابعها، عدم عدالة بعض الصحابة المعروفين!


157


ولذا ادعوا عليه أنه رجع عن آرائه هذه في مرض موته!

قال الذهبي في تاريخ الإسلام: 32/62:

(... أنه في مرضه رأى مالکاً قال له: قل الإيمان يزيد وينقص، والقرآن کلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، وقل بفضل الصحابة). انتهى.

و هذه الرواية وغيرها تدل على أن هذه الآراء کانت موجودة عند الإمام مالک، ومن حق الباحث أن يشک في ادعائهم رجوعه عنها في مرض موته!!


بل ادعوا أن معبودهم على صورة إنسان وله أعضاؤه!

قال ابن باز في فتاويه ج 4 ص 368، فتوى رقم 2331:

(سؤال 1: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال (خلق الله آدم على صورته ستون ذراعاً) فهل هذا الحديث صحيح؟

الجواب: نص الحديث (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً) ثم قال: إذهب فسلم على أولئک النفر، وهم نفر من الملائکة جلوس، فاستمع فما يحيونک فإنها تحيتک وتحية ذريتک، فذهب فقال: السلام عليکم، فقالوا: السلام عليک ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، فکل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق تنقص بعده إلى الآن) رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. وهو حديث صحيح، ولا غرابة في متنه فإن له معنيان: الأول: أن الله لم يخلق آدم صغيراً قصيراً کالأطفال من ذريته ثم نما وطال حتى بلغ ستين ذراعاً، بل جعله يوم خلقه طويلاً على صورة نفسه النهائية طوله ستون ذراعاً. والثاني: أن الضمير في قوله (على صورته) يعود على الله بدليل ما جاء في رواية أخرى صحيحة (على صورة الرحمن) وهو


158


ظاهر السياق ولا يلزم على ذلک التشبيه، فإن الله سمى نفسه بأسماء سمى بها خلقه ووصف نفسه بصفات وصف بها خلقه، ولم يلزم من ذلک التشبيه، وکذا الصورة، ولا يلزم من إتيانها لله تشبيهه بخلقه، لأن الإشتراک في الإسم وفي المعنى الکلي لا يلزم منه التشبيه فيما يخص کلا منهما لقوله تعالى (ليس کمثله شئ وهو السميع البصير). انتهى.

و هکذا تقضي فتوى الشيخ ابن باز بأن آدم على صورة الله والله على صورة آدم، وأن هذا ليس تشبيهاً أبداً أبداً!! ويمکنک أن تفتي بمثلها فتنفي شخصاً عن أولاد آدم فتقول: إن فلاناً على صورة آدم وآدم على صورته ولکنه لا يشبه آدم أبداً!! بل يمکنک أن تخلص بهذه الفتوى مجرماً فتقول هذه الصورة صورته ولکنها لا تشبهه أبدا أبداً!!

إن أصل مشکلة الوهابيين أنهم مضطرون في إثبات مذهبهم إلى قلب معاني کلمات اللغة العربية! فالأمر دائر عندهم بين أن يقلبوا ألفاظ اللغة أو ينقلب مذهبهم!!

ويالبؤس مذهب إذا اعتدلت الکلمات انقلب، وإذا انقلبت معانيها اعتدل!

وقالوا: معبودهم يرکض ويهرول

قال الألباني في فتاويه ص 506:

(سؤال: حول الهرولة، وهل أنکم تثبتون صفة الهرولة لله تعالى؟

جواب: الهرولة کالمجيء والنزول صفات ليس يوجد عندنا ما ينفيها).


159


 و قال ابن باز في فتاويه: 5/374:

(ومن ذلک الحديث القدسي وهو قول الله سبحانه: من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. أما التأويل للصفات وصرفها عن ظاهرها فهو مذهب أهل البدع من الجهمية والمعتزلة). انتهى.

و يقصد بذلک تحريم تفسير الهرولة بالقرب المعنوي، ووجوب القول بأن الله تعالى يهرول حسياً!

 

و قالوا: معبودهم له ساق حقيقية

قال ابن باز في فتاويه: 4/130، ونحوه في: 5/71:

(الرسول (ص) فسر (يوم يکشف عن ساق ويدعون) بأن المراد يوم يجئ الرب يوم القيامة ويکشف لعباده المؤمنين عن ساقه وهي العلامة بينه وبينهم سبحانه وتعالى، فإذا کشف عن ساقه عرفوه وتبعوه، وهذه من الصفات التي تليق بجلال الله وعظمته لا يشابهه فيها أحد جل وعلا! وهکذا سائر الصفات کالوجه واليدين والقدم والعين وغير ذلک من الصفات الثابتة بالنصوص، ومن ذلک الغضب والمحبة والکراهة وسائر ما وصف به نفسه سبحانه في الکتاب العزيز وفيما أخبر به النبي (ص) کلها وصف شاهق وکلها تليق بالله جل وعلا! أما التأويل للصفات وصرفها عن ظاهرها فهو مذهب أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ومن سار في رکبهم، وهو مذهب باطل أنکره أهل السنة والجماعة وتبرؤوا منه وحذروا من أهله). انتهى.

ويقصد بذلک تحريم تفسير الساق بالکناية والمجاز، ووجوب تفسيرها بالساق المادية، شبيهة بساق أحد علماء الوهابية مثلاً! تعالى الله عما يصفون.


160


و قال ابن باز في فتاويه: 5/371:

(طالب يسأل ويقول ما هو الحق في تفسير قوله تعالى (يوم يکشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) جواب: الرسول (ص) فسرها بأن المراد يوم يجئ الرب يوم القيامة ويکشف لعباده المؤمنين عن ساقه، عرفوه وتبعوه). انتهى.

وتحيروا هل لمعبودهم أذن مادية أم هو ممسوخ الأذن!

وکما احتاط الألباني في هرولة الله تعالى حتى أفتى له بها ابن باز، کذلک احتاط في أن الله تعالى له أذن أو أن جنب رأسه ممسوح بلا أذن، فلم يفت بالنفي ولا بالإثبات! وليتهم احتاطوا لدينهم في أصل مقولتهم هذه، لا في تفاصيلها المضحکة! قال الألباني في فتاويه ص 344: (سؤال: صفة الأذن لله، موقف أهل السنة والجماعة منها؟

جواب: لا يثبتون ولا ينفون بالرأي، أما ما أثبته النص فهم يثبتونه بدون تکييف، السلفيون مستريحون من هذه الکيفية يعني استراحوا من التشبيه عملاً بالتنزيه، وإن العين صفة من صفاته تليق بعظمته وجلاله).

 

من تأثير تجسيم الوهابيين على أطفال المسلمين

فرض علماء الوهابية مذهبهم في التجسيم على الثقافة السعودية، وروجوا الأحاديث المتشابهة والموضوعة في التجسيم، وکرروا ذکر أحاديث النزول وأحاديث يکشف عن ساقه في خطبهم بمناسبة وغير مناسبة حتى فهم الناس منها النزول المادي والساق المادية، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع الله تعالى رجله فيها فتقول قط قط... إلخ. وکتبوها في مناهج التدريس، فحفظها


161


الأطفال الأبرياء، ونشأت ناشئة من ذراري المسلمين تتصور أن التجسيم جزء من عقيدة الإسلام!!

وقد حدث أحد السعوديين أن معلماً في مدرسة في المملکة العربية السعودية سأل تلاميذه يوماً فقال: کيف نعرف الله؟

فأجابه أحدهم: يا أستاذ نعرفه بأن رجله محروقة!!

وهذا الطالب البريء لا ذنب له، لأنه تعلم أن المؤمنين لا يعرفون ربهم يوم القيامة إلا بالعلامة التي بينهم وبينه وهي أنه يأتيهم ويکشف عن ساقه فيعرفونه، وتعلم أن جهنم لا تمتلئ حتى يضع الله عز وجل فيها رجله ليملأها فتقول قط قط، فلا بد أن تکون النار قد لفحتها وأن تکون رجله التي يکشفها للمؤمنين محروقة بالنار!!

وهکذا يخربون فطرة الله تعالى التي فطر عليها أبناء المسلمين على التنزيه، ويغرسون في أذهانهم التجسيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

و قالوا کان الهواء قبل معبودهم أو معه

قال ابن تيمية في مجموعة الرسائل مجلد 2 جزء 4 ص 95:

(حديث أبي رزين العقيلي.. أنه سأل النبي (ص) فقال يا رسول الله أين کان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: کان في عماء، ما فوقه هواء ما تحته هواء). انتهى.

وبهذا يکون مذهب ابن تيمية أن الله تعالى محدود من فوقه أيضاً، فتحته الهواء والأرض وفوقه الهواء فقط، ويکون الهواء موجوداً مع الله تعالى أو قبله!


162


وتحيروا في العرش هل هو کروي أو مسطح؟!

فقد ألف ابن تيمية کتاباً حاول فيه أن يثبت أن العرش مسطح وليس کروياً لأنه إذا کان کروياً فإن الله تعالى يکون کروياً مثل عرشه! ويکون بدنه محيطاً بنا ولا يکون فوقنا فقط بل يکون فوقنا وتحتنا!!

قال في مجموعة الرسائل مجلد 2 جزء 4 ص 104 - 112:

(سئل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ما تقول في العرش هل هو کري أم لا؟ فإذا کان کرياً والله من ورائه محيط بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون غيره؟

و الجواب عن هذا بثلاث مقامات: أحدها أن لقائل أن يقول لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلک من الأفلاک المستديرة الکرية الشکل لا بدليل شرعي ولا دليل عقلي.. فقالوا بطريق الظن إن العرش هو الفلک التاسع لاعتقادهم أن ليس وراء ذلک التاسع شئ، إما مطلقاً وإما أنه ليس وراءه مخلوق..

وقد استدل من استدل على أن العرش مقبب... عن جبير بن مطعم قال أتى رسول الله (ص) أعرابي فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال.. فادع لنا فإنا نستشفع بک على الله ونستشفع بالله عليک.. وقال ويحک أتدري ما تقول؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه.. إن الله على عرشه وأن عرشه على سماواته وأرضه لهکذا، وقال بأصابعه مثل القبة... إلخ.).


163


و قالوا معبودهم موجود مادي يحويه العرش

قال ابن باز في فتاويه: 1/317 السؤال الثالث والخامس من الفتوى رقم 7351:

(سؤال: ماذا يکون ردي إذا سألني سائل عن المکان الذي يوجد فيه الله؟

جواب: تقول فوق عرشه کما قال تعالى الرحمن على العرش استوى). انتهى.

وينبغي الإلتفات إلى أن سؤال هذا الإنسان عن المکان الذي يوجد فيه الله تعالى، يعني عن الظرف المادي الذي يحوي وجوداً مادياً، والذي يلزم منه أن ينحصر وجود المظروف فيه ولا يوجد في غيره، وأن يرتبط أصل وجود المظروف به، ولا يکون موجوداً قبله!

وکان على المفتي أن لا يقبل صيغة السؤال، ويبين للسائل أنه لا يصح سؤال کهذا في حق الله تعالى! ولکن المفتي جعل ربه کتلة مادية موجودة على العرش، ولزمه أن يعترف بأن العرش کان موجوداً قبل الله تعالى، أو موجوداً معه من الأزل کما قال ابن تيمية، ولکنه قال إن عرشه يبلى ويتجدد!


وجعلوا حملة عرش معبودهم حيوانات

فقد صحح مرجعهم في الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني حديث أم الطفيل في تعليقته على سنة ابن أبي عاصم برقم (471) وجاء فيه أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذکر أنه رأى ربه عز وجل في المنام (في أحسن صورة: شاباً، موفراً، رجلاه في خضرة، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب)!


164


و قد صحح إمام الوهابية في آخر کتابه (التوحيد) حديث الأوعال التي تحمل عرش الله تعالى! ونسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (کم ترون بينکم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري، قال: فإن بينکم وبينها إما واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة (وکأن الشک من النبي (صلى الله عليه وآله) حيث لم يذکر ابن عبد الوهاب أن الشک من الراوي) والسماء فوقها کذلک حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله کما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلک ثمانية أوعال بين أظلافهن ورکبهن کما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أعلاه وأسفله کما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلک تبارک وتعالى!

 قال السقاف في هامش کتاب دفع شبه التشبيه بأکف التنزيه لابن الجوزي ص259:

(قلت: وقد بين بطلان هذا الحديث الإمام المحدث الکوثري في مقالة خاصة مطبوعة ضمن کتابه (المقالات) ص 308 سماها (أسطورة الأوعال) فلتراجع فإنها مهمة جداً. وکذا أبطله الإمام المحدث عبد الله بن الصديق الغماري وذکر بطلان متنه في کتابه في سبيل التوفيق فقال (وبينت بطلان حديث الأوعال بأن إسناده ضعيف ومعناه منکر). انتهى.

وما دام الوهابيون يقبلون أسطورة الأوعال التي تحمل العرش فلعلهم يقبلون مجموعة الحيوانات الأخرى التي أخذها مجسمة المسلمين من مجسمة اليهود وادعوا أنها حملة العرش!

فقد قال الدميري في حياة الحيوان: 2/428:

(عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: حملة العرش أحدهم على صورة إنسان، والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نسر، والرابع على صورة أسد!).
 


165


و قال الجاحظ في کتاب الحيوان: 6/221:

(ويدل على ذلک تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لأمية بن أبي الصلت حين أنشدوه:

رجل وثور تحت رجل يمينه    والنسر للأخرى وليث مرصد)

و قال في هامشه: (وفي الإصابة 549 عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشد هذا البيت فقال: صدق، هکذا صفة حملة العرش.

و في العقد الفريد عن ابن عباس قال: أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم أبياتاً لأمية بن الصلت يذکر فيها حملة العرش وهي:

رجل وثور تحت رجل يمينه    والنسر للأخرى وليث مرصد

والشمس تطلع کل آخر ليلة    فجراً وتصبح لونها يتوقد

تأبى فما تطلع لهم في وقتها    إلا معذبـة وإلا تجلد


فتبسم النبي (ص) کالمصدق له)!

و قال الطبري في تفسيره: 25/ 6:

(فقال کعب: سألت أين ربنا؟ وهو على العرش العظيم متکئ، واضع إحدى رجليه على الأخرى! ومسافة هذه الأرض التي أنت عليها خمسمائة سنة، ومن الأرض إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال: إقرأوا إن شئتم (تکاد السموات يتفطرن من فوقهن)!!. انتهى.

وهکذا فسر کعب الأحبار الآية بأن السموات تکاد تتشقق من ثقل الله تعالى وثقل الحيوانات التي تحمل عرشه فوقها! وهذا ليس عجيباً من کعب لأن ثقافته وهواه يهوديان وإن أظهر الإسلام! ولکن العجيب أن يتبنى ذلک الوهابيون الذين يدعون أنهم وحدهم المسلمون!!


166


و ماذا نصنع لهم إذا کانوا يأخذون توحيدهم من کعب الأحبار ولايأخذونه من أهل بيت نبيهم (صلى الله عليه وآله)!

ترى بعضهم يقرؤون أحاديث کعب وتلاميذه بشغف سواء تلک التي أسندوها عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو التي لم يسندوها وأخذوها من التلمود وقصاصي اليهود.. ولهذا يقعون في ورطات مهلکات!

وتراهم في المقابل لا يحبون أن ينظروا إلى أحاديث أهل البيت حتى التي رووها عن جدهم المصطفى (صلى الله عليه وآله)! مع أنهم يصححون حديث وصية النبي بالثقلين کتاب الله وأهل البيت.. ولو أنهم قرأوا أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لوجدوا فيها ما يخلصهم من هذه الورطات المهلکات.

روى الکليني (رحمه الله) في الکافي: 1/93:

(عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن علي، عن اليعقوبي، عن بعض أصحابنا، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن يهودياً يقال له سبحت، جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله جئت أسألک عن ربک، فإن أنت أجبتني عما أسألک عنه، وإلا رجعت؟ قال: سل عما شئت، قال: أين ربک؟ قال: هو في کل مکان، وليس في شئ من المکان المحدود، قال: وکيف هو؟ قال: وکيف أصف ربي بالکيف والکيف مخلوق، والله لا يوصف بخلقه، قال: فمن أين يعلم أنک نبي الله؟ قال: فما بقي حوله حجر ولا غير ذلک إلا تکلم بلسان عربي مبين: يا سبحت إنه رسول الله! فقال سبحت: ما رأيت کاليوم أمرا أبين من هذا! ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنک رسول الله).


167


و في نهج البلاغة: 2/116:

(186 - ومن خطبة له (عليه السلام) في التوحيد، وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة:

ما وحده من کيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه. کل معروف بنفسه مصنوع، وکل قائم في سواه معلول. فاعل لا باضطراب آلة، مقدر لا بجول فکرة، غني لا باستفادة، لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات کونه، والعدم وجوده، والإبتداء أزله.

بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له.

ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها مفرق بين متدانياتها.

لا يشمل بحد، ولا يحسب ببعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها، منعتها منذ القدمية، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التکملة، بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون، لا يجري عليه السکون والحرکة، وکيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذن لتفاوتت ذاته، ولتجزأ کنهه ولامتنع من الأزل معناه، ولکان له وراء إذ وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذن لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلاً بعد أن کان مدلولاً عليه، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره.


168


الذي لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الأفول، ولم يلد فيکون مولوداً، ولم يولد فيصير محدوداً، جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدرکه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه.

لا يتغير بحال، ولا يتبدل بالأحوال، ولا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والإبعاض، ولايقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه، فتقله أو تهويه، أو أن شيئاً يحمله فيميله أو يعدله، ليس في الأشياء بوالج، ولاعنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة يقول لمن أراد کونه کن فيکون لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنما کلامه سبحانه فعل منه أنشأه، ومثله لم يکن من قبل ذلک کائناً، ولو کان قديماً لکان إلهاً ثانياً لا يقال کان بعد أن لم يکن، فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يکون بينها وبينه فصل، ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتکافأ المبتدئ والبديع.

خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، وأنشأ الأرض فأمسکها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والإعوجاج، ومنعها من التهافت والإنفراج أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر


169


عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على کل شئ منها بجلاله وعزته، لا يعجزه شئ منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه.

خضعت الأشياء له، وذلت مستکينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره، فتمتنع من نفعه وضره، ولا کفء له فيکافؤه، ولا نظير له فيساويه، هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها کمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها، بأعجب من إنشائها واختراعها...).
 

 


مأخذ: الوهابية و التوحيد، الشيخ علي الکوراني العاملي، مرکز الحقائق الاسلاميه، قم.




نظر شما درباره این مطلب
نام :
ایمیل :


کد موجود در تصویررا وارد نمایید:
     
 
به اشتراک گذاشتن/ایمیل/بوک مارک این مطلب





بالا